الأربعاء، 9 سبتمبر 2020

قص

 


حذار أن تمدّ يدك مصافحا، سيحرجك الموقف وتردّها خائبة، منكّسة إلى جيبك، بكلمات مقتضبة ستحيّيك، ولأنك كريه أو بدون رائحة... ستحتفظ بمسافة تليق بمقامها...التعالي جزء منها، وعلّتها مذ تسنّمتْ مقعدا أرجوانيا، جدّك ربما هندس أركانه! تجاهلها بدورك، واستعدْ رزانتك. قبالة المدخل الزجاجي تسمّر، وتأمّل الحياة في المحطة بتلويناتها... شاب يطارح حبيبته الغرام، تنهّد ملء ذكرياتك... وقبل أن تلوي عنقك لتصيّد خربشة أخرى، ينتصب الجسد أمامك، بالكاد ينعكس... الاكتناز ذاته، والشموخ نفسه... يستحيل التحقّق بدونك يا قذرا في عينها!

حافظ على هدوئك والتفت، دَعْها تُبحر في عينيك، تتفرّس، تبحث عن ألق يؤيّدها بروح الجلد والصبر، فلن تجد غير خواء يصلبها، يدعوها لحمل خطاياها وإدانة شطحاتها وحبها الوهمي في الجسد، اتركها تبادر بالكلام... فلست في ورطة، لم تقطع عهدا أو خالفت وعدا، ولا تمسّحت طلبا للغفران، وقبل أن تنخرط في أي عتاب أو حوار، شقّ صدرك، واعصر قلبك، واستعذ بالعقل من الحب الرجيم!

§                  دائما وكما عهدتك، شارد وكأنك تخط هذيانك..

§                  أتحية هذه أم إهانة؟

§                  فقط أستفزك أيها المسافر الوحيد... قالتها في غنج.

§                  لِمَ كل هذه الصفات وهذه الإنشائية؟

§                  هكذا كانت حواراتنا بعيدة عن كل تقريرية!

§                  كانت... و...

§                  (تقاطعه ) وستبقى...  

§                  حقيقة ما عدت أفهم شيئا، أكلما شطبت ذكرى، وسلّمت بالنهاية تصرين على البدء؟

§       أنا لم أقصد خلقا أو بدءا جديدا... ما بيننا كائن ومُستأنف. اسمع، أنت بدوني تيه وخراب، جسد نخرته الديدان حتى العظم... تأمل تقاطيع وجهك... وترتيب هندامك، المدخل الزجاجي خلفك إن شككت في حكمي...

§       (يتجاهل تعليقها) مثلما ألفيتك أول مرة... مظهرية حتى النخاع!

§                  لا تنكر أنك أُخذت به كالمسحور... أتذكر عزيزي؟

§                  أجل...كان بريقا... صورة لمحتوى أمقته!

§                  لنتجاوز هذه السلبية... " رائع أن نبحث عن وجه جميل لقبح محقق!" هذه حكمتك، حرّرها من قضبان أوراقك!

§                  ...............................

§  تذكّر حبيبي أجندتي... ترانيمي... تربتي التي حقّقت من خلالها الانتماء! واذكر حناني ساعة الهجر والعزلة وصدري الذي احتمل كبواتك... أتقذف كل هاته الأشياء من ماضينا في وحل النسيان... وهدايا أعياد الميلاد حيث البكاء وصرير الأسنان؟

§                  ...............................

§  أتذكر عزيزي لقاءنا على الشاطئ الصخري... والنوارس شهود، والبحر هادئ كعينيك الحالمتين... كنتُ أراقبك من بعيد، تنتظر سمكة تعلق بالصنارة فعلقت أنا، عروس البحر... (تكركر)

§                  ...................................

§   ماذا عليّ صنعه لمصالحة روحينا؟ طمرتُ أنوثتي وتنازلت... بل تذلّلت لخاطر حبنا الكبير... فلم تُقم لي وزنا أو أدنى احترام... أنسيت من أكون؟ لا تبق متخشبا، ساكنا، قل شيئا... تكلم!

استعذ بالعقل من الحب الرجيم، استعذ به واتركها ترفس... دقيقة جلد وينزاح الهمّ، خير من صفح يغرقك في الغمّ... البطل قرارات ومواقف، واختيار للصعب حتى الموت... يا صاحبي، تأمّل صفحات تاريخك، واكشف محتوى الصورة الآخذة، المخدرة، الزائفة... ابق متخشبا، ساكنا، صامتا... فأقوالنا خطيئة وأفعالنا خبط تثير الغبار بدل التمزيق! لا قدرة لك على المكاشفة والمواجهة؟ قلها ولا تخجل، واترك لي مهمة الفضح والمغامرة... لا مناص من ذلك ولا فكاك! سأُذكي مشاعرك، وأبعث ذكرياتك... بعد موت، أحييها... وليكن في الختام قرارك!

عروس البحر كانت هناك... عارية إلا من الأمواج، ترقص مرسلة الشعر، وتبتسم عن أسنان مرجانية... فأي قدر ساقك إلى هناك؟ أذيع الخبر، ونشر في الصحف والمجلات، عروس البحر عاقرت ربان السفن، تعرّت، رقصت حتى خبّ البحر، وكشّر عن أمواجه... فتلفّحت بالشراع، واعتمدت الدّقل، وضاعت كل السفن العرجاء! قرأتَ الخبر... شككت... فأهملت الجريدة... أأغوتك التجربة أم سلافة الأسنان؟

على الشاطئ الصخري كان اللقاء، وكان المساء وجها حزينا مُغلّفا بالغموض، في البداية تشاءمت، نكّست رأسك ونظرت بأسف حيث قدميك... فجأة شدّتك النتوءات، استبشرت خيرا، وختمت بما يشبه الهمس: حبنا مؤسس على الصخر! عروس البحر أدمنت الصياد البسيط وقفته القصبية، كبّلتها تجاعيده البارزة وأحلامه المُغيّبة، ربما كانت تتنفس مجدها من خلاله، أو فقط تعاند كبرياءه، وتلك العملة النادرة التي ما انفكّ يتبجح بها ساعة كل دردشة: الكرامة والمبادئ!



ذات مساء والقمر مكتمل سألها: من أين لك هاذي اللآلئ وهذا الجسد الممتلئ، والضفائر الموصلة بالذهب؟ انتفضت بين ذراعيه، فكّت ساعديه، وبحركة عصبية أبعدته عنها واختفت. اعتبر غضبها دلال أنثى، فاختار التوسل والاعتذار... اشترى هدية لكن رفضت استلامها... حاصرها مرّة...

§   جئتك متوسلا، قبّلت يديك، ولو كانت لك قدمين لفعلت ذلك، فأنت تربتي التي  أحقق من خلالها الانتماء... فما سبب هذا التمنّع؟

§                  أسئلتك المتكررة تنوشني...

§                  أليس لي حق في السؤال؟ أنا إنسان أفكر، أبحث، أتواصل، أستفهم!

§                  أنت تهمة، جريمة في عرفنا...

§                  إذن كيف يكون اتحادنا ونحن بهذا الاختلاف؟

§                  التنازل حبيبي مفتاح اجتماعنا!

§                  التنازل؟

إيه... تبدّلت اللهجة، ونُفيت الهدايا، الأحلام والأماني، ما بقي عهد ولا ثبات في المشاعر دائم، حان وقت الجدّ ولا بد من التنازل، وأي تنازل؟ عروس البحر تقبلك إن رضيت بشرط المبادلة؛ دماغك، قفتك القصبية، قوانينك وعاداتك الأرضية، حتى قوة ساعديك... ففي مملكتك الجديدة، لن تفيدك في شيء... ستعيش مثلها على الحيتان الصغيرة، ومتى تسمن ويكتنز هزالك، تبحث عن طقوس أخرى تلائم جلالك. في البداية ما صدّقتَ حدسك، وكذّبت ظنونك الملحّة، قلتَ: علّمني الصيد ألا أفرح بسمكة ترتعش بين القصبة والنهر، فكيف أسيء الظن بها من غير أدلة؟ وأقول: هو الحب يضخ في وريد العشاق داء الصّفح! أخيرا وعلى حين غرّة، قررتَ المجابهة... مزقت صفحة الماء الفضية، وغُصت في مستنقع عروس الوهم... تبيّنت وسبرت الأغوار كما شئت، لم تصدّق ما خبرته حواسك... عروس البحر كانت هناك، عارية إلا من القبلات، ترقص، وتكركر عن أسنان قانية، وبقايا الحيتان عالقة بالأنياب، فأي جحيم ساقك إلى هناك؟ لماذا وثقت بسحر تينك العينين؟ وكيف تبادلك الوفاء والعرفان، قلوب ليست تعيش الحرمان؟ لا سبيل للإجابة، شَحُبَ الوجه، واعتقل اللسان، وانطفأت شموعك المُعَدّة للزفاف! أمامك الشاطئ الرملي هذه المرة، تمدّد، تقلّب، تمرّغ، وادفن كابوسك، فحبّك مؤسس على الرمال!

أنت الآن على رصيف المحطة، أمامك الماضي وانكساراته، البحر، النوارس، البدر، الحيتان الصغيرة، العري وأشياء أخرى... وخلفك مدخل زجاجي، إن فكّرت الهروب، تستقبلك نفس الخيالات، والصور المنعكسة، وذلك الجسد الذي ألهب مرّة أشواقك... عروس البحر قدامك... ما أقسى حرقة الانتظار! وما أشد لهيب ذاك القرار! أتركبان ذات القطار وترحلان، أم تُبعث فيك نخوة الصياد المجرّب، فتمحو نتانة الذل والعار؟ وطأة الموقف تحتدّ، وجبين البطل يتقطّب، وأنا نظيركم... أنتظر قرار الصياد...

 اختار صاحبنا أخيرا الأفق على سلافة الأسنان، إنه يتقوّى بالسواعد المفتولة، بأهازيج البائعات، وهن يجمعن المُهمل من نعناع وبقدونس، قانعات بحصيلة يوم كامل من النواح... خُيّل له السحاب موجا، وزرقة السماء بحرا هادئا، ثم تراءى له الرب ماشيا على الماء، فاهتاج صدره وفاضت عيناه...  عندئذ أعرض بوجهه وسائر جسده عنها، وقبل أن يخنقه الانعكاس، وبضربة محكمة، تهاوى المدخل الزجاجي... ومعه الجسد الممتلئ...

 قيّد النزيف معصمه... ماجت من حوله الأصوات والأنّات... ثم أغمي عليه وابتسامة عنيدة تطل من بين شفتيه... ابتسامة من حطّم وهمه!

*** *** ***

 حسن شوتام 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق