السبت، 5 سبتمبر 2020

انتظار

 


- 1 -

 

بِبِزّتِهِ الحالكة، كان الليل يرابط عند حافة سريري وجسدي المكدود ينتفض وكأنه مساق إلى مقصلة. مسكين أنا؛ يلازمني الحزن مثل السقم. على أجفاني يطبع ذبولاً وبين أهدابي دموع حجرية. كان الحلم ملاذي، أعوذ به من واقع كله رتابة وملل وانكسار. واليوم صار والواقع شريكين في كل شيء. ما حسبت تهاويل الحلم بسلطان.

 

- 2 -

 

الضباب كان كثيفًا حال دون تموقعي بالمكان، بالكاد جُسْتُ الطريق بقدمين مسلوبتي النشاط. كان طويلاً ممتدًا والأفق غائب وكأن ريشة فنان أهملته لتمنح للقدر حق تقرير مفاجأة. صديق غير مميز القسمات كان برفقتي. بخطى وئيدة طوينا مسافات واخترقنا فضاءات متعددة حتى لاح لنا من بعيد منزل صغير يتوسّط بيداء موحشة لا تخوم لها. خفّفنا نحوه حتى صار على مسافة خطوتين ثم توقفنا. لم نجسر على اقتحامه؛ فالسكون والصمت والضوء الخافت أشاع في المكان رهبة لا توصف. بعدها تناهت إلى مسامعنا وشوشة ثم أصوات رفيعة رقيقة فضحكات نسائية عالية تيقّظت لها أجسادنا وتحلَّبت لها أفواهنا، فالتمعت عيوننا كذئاب احترفت الخطية.

 

- 3 -

§                  لِنهتك عِرض هذه الفضيلة، ولنطرح عنا قيود الحياء والوفاء فسواد الليل رحمة تُربك عيون الرقباء.

§                  مُقنع كلامك يا صاحبي. لماذا تحضرني الاستقامة في غمرة حلمي؟ أليس الحلم تجاوزًا للواقع؟ لماذا يغيب الكشف في أروع صور التفريغ والإفضاء؟ أمتطي صهوة الحلم والواقع الشبح رديفي؟

§                  ولكن، لماذا الحديث عن الإقناع والحضور والغياب؟ لماذا تحمل نفسك على السؤال؟ التعقل اغتيال للحلم. هيا رفيقي تحرَّر من سمت الجد والوقار. دعنا نمجِّد لغة الجسد!

- 4 -

في خَفْر صبية بدوية تحسستْ قدماي عتبة الباب المقروضة. أفكار وخواطر ملتبسة تقاذفتني مرجئة اندفاعي الشبقي لحظة يسيرة ولمَّا هممتُ باختراق العتبة تردَّد في داخلي هذه المرة صوت كنفخ بوق القيامة:

§                  الجسد يمضي وشهوته إن زرعتَ فيه تحصد موتًا فموتًا فموتًا!

تردَّد الصوت في داخلي عنيفًا شاقًا كطعنة حربة مُمِضَّة، فحقيقة الموت تقتل فيَّ كل شجاعة وبطولة. أمامه فقط أحتاج معجزة تسكب فيَّ شروط الحياة والاستمرار!

آنئذ تيقظ وعيي كاملاً ولم يجتذبني دفء المنزل - الخطيئة ولا حفّزتني ضحكاته الرقيقة المغرية، في المقابل تلفّع جسدي بصقيع ألهب سَوْرَةَ غضب صاحبي فصرخ في وجهي:

§                  جبااااااااااان... ستظل دائمًا جبانًا حتى في حلم!

§                  نَتِن تفكيرك يا هذا! كيف تحصر البطولة في قطف أجمل وردة وغَصْب أحرِّ قبلة؟ لماذا تُستثمر المرأة في كل لعبة؟ مُرْني وأنا في حمأة الواقع بتحطيم جدار الصمت وإعلان المخفي والمسكوت عنه أو بخلع أقنعة البراءة عن الوجوه المُشَوّهة. آنئذ انعتني بالجبن إن ترددت أو قصَّرت!

لم يحرِّكه ردِّي ولا زعزع مبدأ اللذة عنده من مكان القيادة وكأن حواسه كلها اتفقت وانتصبت لتوقع بالشهوة وتعاقرها أنى وُجِدت. وقبل أن يقتحم المنزل طلب مني أن أنتظره عند العتبة. وهكذا بقيتُ وحيدا ينفحني البرد وتحكم وثاقي أصفاد الانتظار.

- 5 -

يخنقني يشقني الانتظار فلا أتركك، مجبول أنا على الفراغ ومعانقة الأطياف. تتبدَّل اللوحات والأمكنة والمأساة فأبقى صامدًا متحجرًا ثابتًا كحنظلة ولا أهملك. كلَّت قدماي من الوقوف فجلست على مصطبة العتبة مسندًا ظهري على الجدار الهش. الضحكات الفجّة تؤثث الأجواء جهيرة تارة ثم خفيضة تارة أخرى أما رفيقي فقد أصيب بالخرس. بقيت على ذاك الحال أتنسَّم لعنة الرتابة محتفظًا بهبة الانتظار. فبحكم تكيّفي البيئي ما عادت شولات عقارب الساعة تناوشني. أسرع أيها الزمن وأنبئ بالخراب وعن تفاصيل المسيح الدجال وأوراق التين الشاحبة فلا جسد لي الآن ولا حواس تهتز لرؤية العلامات.

أوزيت رأسي عوض ظهري فقط إلى الحائط المتصدع فأوقعني حلمي في شرك نومة جديدة، فغابت كل الأشياء من حولي واستسلمت لدعوة جميلة غريبة.

- 6 -

 

﴿فضربنا على آذانهم في الكهـف سنين عددا ثم بعثناهم.. لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارًا ولملئت منـهم رعبا.. وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم، قال قائل منهم كم لبثم.. قالوا لبثنا يومًا أو بعض يوم..﴾

حضرتني هذه الآيات مباشرة بعد انسلالي من الغفوة الثانية ورجوعي من وليمة الدعوة الجميلة الغريبة. رباه كم لبثت هنا؟ تفحصت يديّ المعروقتين، شعاب وجهي العميقة وجلده المترهل مصعوقًا من الحيرة. رباه كم لبثت هنا؟ وقفت بصعوبة لأكتشف أني صرت في عمر أنبياء النصوص الجليلة. ما عدت "منتصب القامة أمشي... مرفوع الهامة أمشي...". لقد أمسيت أيقونة حلم غريب ينتظر مفسرًا أريبًا يزيح الغموض... يعلن الأساسات من جديد ويمسك برأس الخيط العنيد. رباه كم لبثت هنا؟ ورفيقي؟ يقينا ملَّ ويئس من إيقاظي فرحل. انسلَّ من شبكة الاغفاءة الأولى. يا إلهي كيف سأواجه أمي وإخوتي وأنا خائر النفس والروح؟ هل ستشفع لي تجربة الانتظار؟

وفيما أنا حائر، صفعتني الضحكات المديدة المغرية، فالمنزل ما فتئ يحتفظ بنضارته وخصوبته ودفئه الحريمي، وجسدي في الحقيقة ما يزال هناك راكبًا رأسه، غارقًا في حلول وقتية، يعبُّ من كأس اللذة مستغرقًا في أحلام وردية عديمة القرار. أما روحي المغلوبة فتقعي هنا على المصطبة المتآكلة مشدودة إلى العتبة ككلب وفيٍّ ينفحه البرد وتحكم فمه كِمامة الانتظار.


*** *** ***

 حسن شوتام

(من نصوص "لهيب الثلج")

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق