يستبد
بي الحنين إلى صوت والدي، وملامحه المتخشبة الصارمة، فأهرع مستنجدا بألبوم الصور.
انهيار حتمي أقف
على حافته من توجسي وطأة الزمن ورحاه التي لا ترحم كلما أمعنت في صورة.
الأبيض والأسود والبذلة العسكرية تبعث الحياة في الذاكرة الخامدة، أبي بوقفته
الرسمية يضارع مومياء بنظراته الجامدة أو الضائعة... صديق بجانبه يمنح الأرض حياءه
وارتباكه، أتأمّله متجاهلا أقرب وجه؛ إنه عبد السلام أو بالأحرى " عبد السلام
البكاي "، هكذا يناديه الزملاء في المعسكر، فلا يغضب أو يتجهم بل يعترف
مستسلما وبدون مركب نقص. أبي كان يتفكّه بعبد السلام الخجول، المرتبك خلال
مسامراتنا العائلية... نطلق العنان لضحكاتنا وهو يسرد كيف كان الصديق يودّع زوجته
البدينة باكيا من غير اكتراث بالحاضرين... يومها سألت والدي وأنا أمتطي ظهره في
شقاوة: وعلاش تايبكي صاحبك واش مازال صغير؟ يُعدم سؤالي بكركرات مجنونة، فأكتفي
بدهشة وصمت واستفهام آخر يداهمني: علاش هما إيضحكوا وعبد السلام يبكي؟
أضيع
بين الصور الناضجة إطاراتها بفعل الزمن، انهيار حتمي أقف على عتبته وأنا أبحث عن
الوجه الغائب إلى الأبد... الموت تيمة تسرق مني كل رغبة في الحياة وأخواتها؛
الأمل... الحب... الرجاء... البهجة... الطموح... لا أجد لها مستقرا في ذاتي حتى
لتكاد تتبخر أو تنعدم .. أبي واسطة العقد في هذه الصورة، تنفرج شفتاه عن أسنان
ناصعة المرارة... رشيد، لطيفة، حسناء، جميعهم حملقوا في آلة التصوير إلا أنا، أنا
فقط... غرست أظافري الصغيرة بين إيقاعات جلباب والدي... ودفنت هامتي بين ركبتيه
مدبرا نسخ الذكرى... ما زلت أذكر ذلك اليوم الربيعي... كان الوقت عصرا حين خرجنا
في نزهة مع الوالد... يفعل ذلك كتعويض عن الأشهر التي يقضيها مرابطا عند الحدود...
يبتاع لنا أغلى الملابس وألذ الحلويات... رشيد، لطيفة، حسناء، جميعهم كانوا يركضون
فرحين مغتبطين، وحدي فقط لا أبرح ظل والدي نظير راحته الضخمة التي تعبث بشعري دون
أن تبرحه، فأحس لذلك شعورا غريبا، تترجمه زفرة عميقة من صدري الصغير... و في
النهاية، نؤرخ للنزهة الحلم بصورة، أدبرها أنا فقط، اغتيالا للذكرى... ساعة عودتنا
أحتفظ بنفس صمت وهدوء أبي، ولولا تعليقات إخوتي بين الفينة والأخرى لخلتنا عائدين
من جنازة.
·
فوقاش غادي تسارينا أبا
عاودتني؟(متى ستأخذنا في نزهة أخرى يا أبي؟)
·
حين نرجع مرة أخرى من
الصحراء.
·
عنداك أبا تنسى الفرماج
ودانون وديك الحلوة المزوقة (لا تنس أن تحضر لي الجبن
وتلك الحلوى الملونة...)
·
اللي بغتوه
نجيبوا ليكم... غير قراو مزيان. ( سأحضر كل ما
تطلبونه لكن واظبوا
على المذاكرة...)
جميعهم
يطلبون إلا أنا ... فقط أطبع قبلة على خد والدي... تخزني لحيته
الصغيرة... أتأوّه فيضحك الجميع إلا أنا... أنا فقط... تصفعني رياح الحدود، الرمال
تملأ حلقي... تبتلعني الصحراء...
الذكرى
مهما كانت جميلة، إن تلج معمعة الماضي، تغدو صريرا حادا، لا يغري بالإبحار ساعة الخلوة.
ألبوم الصور تحت رحمة أصابعي، تقلب صفحاته البلاستيكية بعصبية، ما
يصطخب في داخلي تترجمه الأصابع، أما قسمات وجهي فقد استنفذت كل
التعبيرات، عيناي فقط تلتقطان عجلة الزمن التي ما فتئت تدهسني مع كل تلوينات
الصور... هذه المرة، أعاني التشتت، لا طاقة لدي على لمّ هذا التشظي... زغاريد
يُهدهدها الأثير... عطور ورائحة شواء... موسيقى، رقص وانتشاء... باهتة تفاصيل ذاك
العرس البهيج، لكن لا مندوحة من الوجه الغائب حدّ الأجيج... ما كان الفرح فرحنا،
ولا العرس عرسنا... نحن نشارك الآخرين مسرّاتهم، ونُمنّي غُصّتنا بفرح
مستقبلي، مسكين يا أبي، ما حسبتَ الثرى يطوي أقدس أحلامك... كم زفافا
عائليا انتظرت وانتظرت... ووعدا بالراحة بعد التقاعد صدّقت وصدّقت!! إيه متاع
الغرور، لو تعلمين كم وهما عاشه والدي... كم سُلّما ارتقى بخياله ليعانق أقواس
قزح، لوضعتِ له أولى لبنات " مزار الأحلام المؤجلة ".
جلبابكَ
الأبيض أبتاه يخرم رهافة حسي... عِمامتك باستدارتها المُحكمة تطوّق عنقي حد
الاختناق، تحرقني اللحظة... الجلباب يصير إزارا، والبنية القوية تستحيل قشة شاحبة،
أما العمامة فعِصابة شُدّت بها رأس على وشك الانفجار... مؤكد رأسك يا ذات القلب
الكبير! كل شيء ينقلب حقيقة مطلقة، لا الفرح فرحنا ولا العرس عرسنا، احتفالية
الصمت والكفن قدرنا، تالله إن المسرّة تُخدّر الوجدان! الحزن استوى على الزقاق
فامتلأ صياحا وعويلا ... هي ذي الفرصة المتكررة، فلتقفر العيون من البكاء، ولتخرج
الصدور زفرات متعبة لعشق وهمي، عطالة مُمضّة، طموحات مجهضة، قهر يومي، حرمان وبؤس
مخفي، فنحن نهيئ الجنازة!
أوهنتني
الذكرى وحرقة الموكب، الصداع شق رأسي، ما احتملت أصابعي هول اللحظة،
فانفلت الألبوم ليخرّ تحت قدمي مُجَنْدَلا، شاهدا على السقوط... خلّفته حيث تهاوى
واستنجدت بالنافذة، بحاضر كله تنميقات... لا ترقصي يا نفسي فأنا أعيش الزيف فقط،
أمنح جرحي فرصة الالتئام!
*** *** ***
حسن شوتام





