الأحد، 24 فبراير 2019

قص

خيالات

 

تُغريني مُخيّلة الأطفال، فأقرِّر ذات يوم خطة تُمكّنني من استحضار صباي المنفلت كقبضة ماء. تأسرني رغبة التصابي، فأهمس في قلوبهم، بصوت رفيع، رقيق، طفولي: أحبتي الصغار، قبل مغادرة الفصل، سنمارس جميعنا لعبة مسلية تسمى "الخيالات"، هيا، أغمضوا أعينكم الجميلة، تخيّلوا موقفًا، أشياء معينة، أشخاصا، أي شيء... هيا!

في استسلام وحماسة يعانقون الظلام. تغويهم العتمة المصطنعة. يبتسمون. ربما سئموا – هم أيضًا - الأنوار الزائفة، والنُهر المعتمة! ثوان فقط تنحلّ عقدة اللسان، فيشرع تلامذتي في الكلام ووصف التمثّلات:

·                  أرى أمي جالسة في فناء الدار وبين يديها رضيع كالحمل، تهدهده بحنان فيغفو. كم هو محظوظ ينعم بالدفء والراحة، بينما يقرسني التعب والبرد في حجرة الدرس. (يضحك) أوه... قطنا يتكلّف النوم... يتمطَّى كقطعة قماش بالية... صه! عصفور يلج الحلبة... خدَّرته الشمس وامتصت تيقظه... بف! وقع في الشرك!

·                  أنا يا أستاذ أشاكس الخنافس، رائحتها الكريهة لا تطردني، أنتقي واحدة وأقلف سقف جسدها، أعرِّيها كما أقشر البرتقال، انقباض واهتزاز الشحم يسليني... الآن... (فاغرًا فاه) أتملَّى السماء، حالكة سوداء كسقف خنفساء، أقلفها هي الأخرى... لا شحم ولا جنَّة... الخواء والسواد فقط... أقيء هذه المرة!

·                  أما أنا، أتصوَّرني أمشط شعر أختي الشقيّة، أشدُّه بقوة، فتصرخ مقطبة، مدمدمة. أبدأ في الانشاد علَّها تهجر البكاء: مدرستي الحلوة... مدرستي الحلوة... مد... تقاطعني، وتزهق من أسنان المشط مُحتجّة: لماذا لم تحضري لي الحلوى من المدرسة؟ لن تمشطي شعري بعد الآن حتى أحصل عليها!

·                  أرى حقولاً متعددة ألوانها، يتوسطها جسد بدين ضخم لا يتحرك، جلبابه مرقع... لا وجه ولا ملامح تميزه... قالوا عنه فزاعة، غير أنه بريء، طيِّب، يحترم العصافير، فلا تهابه... بل تشحذ مناقيرها عليه استعدادًا لكشط السنابل. الآن... أدنو منه... أسخر منه... أُسقطه فأحتلُّ مكانه... أستحيل فزاعة متخشبة... أبتسم، فتخفق العصافير وترحل!

·                  أخرج من المدرسة والغبطة تدفعني كما الريح للتسابق مع أقراني... نتدافع، نتصادم، ونزعق كالمجانين. في طريقنا، نلتقي بلص القرية الشهير "علي"، نتحاشى نظراته المرعبة، ونطأطئ رؤوسنا، حتى إذا جاوزناه، نستبسل ونُسمعه نشيدنا الجماعي اللاذع: "علي" الشفَّار (اللص) يمشي للنار... "علي" الشفَّار يمشي للنار. يطاردنا ككلب مسعور، تتشتت الكوكبة. أعدو وأركض. يلاحقني. يكاد يمسك بي لكن خفتي تغيظه، يستنجد بالحجارة، فأقرر الاختفاء!

أصغي إلى خيالات أطفالي والابتسامة لا تفارق شفتيَّ، أن أرحل إلى براءة الماضي من خلال ذاكرة تطفح صفاء وعفوية، يمنحني شعورًا عرضيًا بالاستقرار، لغة الأطفال حقيقة تسرق مني فرحتي المغتالة، تمتشُّ همِّي الذي استعمر مقلتيَّ فاحترفت الأسى والبكاء. زَحْفُ التمثلات يتوالى، يتواتر... أتذرع بالوقت ختمًا للعبة، يصرُّون في استعطاف على الاستمرار، أعدهم بتكرارها ثم أطلب منهم الانصراف. يتخلَّف عثمان، أجرأ تلامذتي. يرمش بعينيه الضيقتين بخفة، كما لسانه يتحرك دون كلفة: أنت أيضًا يا أستاذ، غدًا، ستصف لنا خيالاتك... أليس كذلك؟

أومئ بالإيجاب، فينسحب من القسم مقلدًا أزيز جرَّار. رهين حجرة الدرس أظل، بجدرانها المتصدِّعة، وطاولاتها المنخورة العرجاء، ونوافذها المشرعة صيفًا وشتاء. أتذكَّر عثمان وجرأته، أتنفس حجم الورطة، لكن أقرِّر ركوب التجربة وكشف خبايا الذاكرة. أعانق الظلام وأسافر...

أجدُني متوسطًا ركحًا عتيقًا، خافت الأضواء، موزَّع الفضاء. هياكلنا المتوترة تعاني التقلص، في الكتف وأسفل الحبل الشوكي وفي العنق. جهازنا التنفسي يعاني الاختناق. في الرئة هواء فاسد. أعصابنا العقلية والجسدية مقيدة. لا مندوحة من تمارين الاسترخاء، والتنفس، واكتساب السيطرة. لا مندوحة من خلق جديد يفعل الحياة بكاملها فوق هذه المنصة، أخالني رئيس الفرقة، أديم التفرس في عيون الطلبة، أنوِّمهم وأحملهم على تمثل أبهج الصور. أنفاسًا عميقة يأخذون، ولأعصابهم مُحرِّرون. الصمت يغشى المكان، بين الفينة والأخرى تقطعه التعليمات. أنتظر ولادتهم الجديدة، تعبيرًا جسديًا، نطقًا سليمًا، ترنيمًا مميزًا، حركة منظمة ومرونة في الأدوار. لحظات فقط، أحصد السواد. السمفونية الآسية تلفُّ الصالة، وخدود الطلبة تغسلها مقل دامعة، ذاوية. يصفعني المشهد وفشل التمرين، أستنسر وأخفق بجناحيَّ، أصنع زوبعة مستعيرة لفضح الصور المنتقاة. الجفون تنكمش، تنحسر... قحط، جدب، لا أثر لأي مشهد يسرُّ، كلها خيالات نتنة، مقرفة، تهيِّج الأعصاب وتوتر العضلات. أحدهم يستمني، وآخر يفتش عن لؤلؤة في الأمعاء، وذاك يؤس بيته بغبن الفقراء، وبقيتهم يعتِّقون الأشلاء!

أشفق عليهم، وعلى نفسي، لا أدينهم أو أدين نفسي. هو ذا جيلنا العصبي، ضحية جذور عفنة لأن الشجرة تُعرف من ثمارها. أعصابنا ستتحرر طلبتي الأعزاء، بقلع الجذور العفنة، إنه بداية التمرين!

ما زلتُ ممتطيًا حلكة الخيال، والصور تحضرني مختلطة، مصرَّة على كشف وخرق الذاكرة، تستقر هذه المرة على فضاء مدرسة سحيقة، مثخنة بالمأساة والأوجاع. زعيق أطفال، دخان مدفئة، وخفقان راية ممزقة، ثملة. حمادي، المكلف بمطعم مدرسي، يبدو كدجاجة محاطة بفلاليس، يحشو كسر الخبز بالسمك المصبَّر، والأفواه الصغيرة تتحلَّب انتظارًا وجوعًا. بخفة تتحرك يداه، توزعان القطع المكوَّمة على شكل جبل أو هرم فتضمحلُّ دارة الأطفال، دقائق فقط، يستعمر الصمت المكان، يشغر المطعم إلا من صاحبه، وعلب السردين المشرعة سقوفها المسننة. يتأملها حمادي ببله، يحك شعره المغبر، المتلبد، فتجتث أصابعه الخشنة بعض الشيب. يرمق العلب الفارغة. جامدة، ساكنة، لكنه يخالها ساخرة، مكركرة. مذ كان فتيًا وهو يعالجها، وما انفك يفعل ذلك، وهو الأشعث، الأشيب. يتأفف، يؤهُّ، يحس الزيت المتراكمة رائحتها كل هذي السنين، تغلي، تتفرقع بداخله، يحمل معدته على تقيئ رتابة، فقر لازمه كالقدر. يداعب هذه الرغبة بأصبعه، فيقيئ الخواء! يتبرَّم، يتأمل العلب من جديد، هذه المرة تنوشه ضاحكة: وهل يقيئ من كان رهين الجوع والخرس؟ يثور حمادي، يركلها بقوة، فتتطاير في الهواء، معانقة ساحة المدرسة وزعيق التلاميذ. ضجيجهم علامة ودليل انتهائهم من بلع كسر الخبز، وأيضًا بحثهم سبل صرف فائض طاقتهم. صدى ارتطام العلب بالأرض لوى أعناقهم، وصرفهم عن اللعب، لا مجال للّهو والأمعاء غير مُكتفية... الآن، يبدأ التسابق والتدافع، تستيقظ لذَّة اللَّحس، ويشرع الكلُّ في التنافس والتصادم. يُثار الغبار، ويحمى الصراع، أضيِّع وسط اللقطة، لكن أخطف النهاية؛ العلب المُهملة تعاني الأسر واللّعق بلا رحمة، دروعها المسننة الحادة، شرمت الألسن، ومزقت الأصابع حتى الادماء، بيد أن الصغار أبدًا ما أحسوا الألم. همهم الوحيد، خنق ذاك الوحش الذي ينمو ويتكاثر في بطونهم. حمادي بسرواله المرقع، يحك رأسه المتلفّع، يتسلَّى بمشهد التزاحم والتدافع، ونهم لاحسي علبه الفارغة، المركولة... "اتْفُو... إننا نعيش الثبات"!

أخلص أنا الراكب جرح الخيال إلى هذه النكسة: أن تعاني الثبات، والركود كماء آسن، فاسد، يعني الانخراط في دائرة المتجاوز أو المهجور. ربما الخروج من الطبيعي المتجدِّد، إلى الشاذ المنبوذ. طيف عثمان يمثل أمامي بكل شموخ. آه لو أملك طهره، براءته، جرأته، لو أرتقي لأسلوب الصغار!

قفر الذاكرة عاهتي، عجزها عن امتصاص الألم محنتي، الخيالات عفنة، ممضَّة، ممنوع وصفها لأحبتي. أخيرًا أبحر مع عاشق زاده الزهر والأمل، أراه متأبطًا كتابه، والقصيدة الخجلة ترنو لهمس الحبيبة، وحور العيون العنيدة، يحثُّ خطاه، والقلب البعيد يهفو ويقترب، يسوِّي هندامه، ينتظر اللقاء الحلم على عتبة الباب، يقرع ويقرع. يتردد صدى الغياب. يتشبث بالأمل، يطرق الباب مرات، يلكزه غياب تام، ورحيل مؤكد. يتلفت يمينًا ويسارًا، جميع الأبواب موصدة. أيسأل عنها الجيران أم الجدران؟ اللاأدرية المرعبة تتقفَّى حرقته، طريقه نحو المجهول. إنه يزحف، يُحوقل في مشيته كشيخ دكَّه قرُّ السنين، أملُّ مسيرته الطويلة، البطيئة، فأُسمعه صوتًا من السماء، لأحدَّ بحثه وشقاءه: ضالتك ضمَّها التراب، حبيبتك أقامت عند الرب، اقفل وارجع، فحاجتك لن تصيبها مهما عاندت!

§                  وأين شاهد قبرها... أين... أين؟!

هكذا يزمجر ملغيًا قدسية الصوت السماوي، أباركه وألفه في الظلام. يستشيط غضبي، مللي، فأقرر تمليط ثقوب الذاكرة. أفتح عينيَّ، وأشبعهما من إعاقتنا المستديمة، لأدرك أن خيالاتي وتصوّراتي امتداد لها. أنسحب من الفصل وثقل الورطة يلازمني. أفكر وأهمس لنفسي: كيف أصف النتانة لتلامذتي... أنجِّس الطهر والبراءة، وأقضُّ مضجعهم بأنَّاتي؟ لكن، أليس من الضروري تهييئهم لغبن المأساة، إعدادهم لزمن الخطيئة المؤكدة؟ وأُحرق المرحلة الملائكية! لا... لا... لن أفعل ذلك ولو تعمّدت الكذب! أجل... لِم لا أكذب؟ أوليس الكذب سِمة كبرنا ومأساتنا؟ سأكذب لخاطر تلامذتي، أُلمِّع تمثلاتي المغبَّرة. عذرًا عثمان سأنحدر لأسلوب الكبار!

*** *** ***

 

لهيب الثلج
من ورم خبيث، أتلف العين، وبعدها الدماغ، ماتت "هنو"، أضحت أختها "حادّة" وحيدة، تجْرِشُ الحسرة كل يوم، رهينة الصمت والوحشة. الأقارب؟  بعد مراسيم الدفن أثارت نِعالهم غبار المقبرة... بدّدته الرياح وتفرقوا كيما يستأنفوا انجذابهم إلى الكدح فالهلاك...
كوخها التابوتيّ هذا الصباح رَفّهَهُ البياض، دَاخِنَتُهُ بالكاد تلفظ ما بجوف المدفئة من غبن وسواد، ربما "حادّة" قرّرت خرق إضرابها عن الطعام! دقائق  فقط، تُخلخل باب كوخها العتيق، رغم الوهن تدفعه، فقد نالت منها النكبة، وما عادت قادرة على فتح باب علقت به نفثات من ثلج يناير! أخيرا تستعين  بقضيب من حديد، تغرس نصفه بين حافتيه، وما فضل تمنحه طاقتها مزيحة في الاتجاه المطلوب، وبغمغمة بربرية جافة، يستسلم الباب متمايلا أمام رغبة  لجوج في معانقة الحياة... وجه شاحب... قدمان حافيتان مفلطحتان تغلفهما طبقة سميكة داكنة من الجلد الجرانيتي، تعفيها من انتعال خُفّيها، حتى وهي تقصد حظيرة المواشي، متجاهلة لسع الثلج، تسوقها هذه الحاجة للاجتماع! كيف لا والفراغ يأكل جسدها كل يوم، وليس من أحد تسكن إليه، ويعزّي نفسها، غير بقرة ناتئة العظام، وخمس دجاجات تقرقر بصوت أشبه بالنحيب!
ألقت "حادة" نظرة ضائعة على الزريبة، اقتربت من البهيمة، مسّدت جلدها الأغبر، فيما أنشأت الدجاجات تنقر بخفة ما دفعت من روث، وقبل أن تغادر المكان، تفحّصت العظام البارزة، وتنهّدت عاقدة حاجبيها، كمن استعادت تيقظها وتفاعلها مع المحيط بعد طول شلل وجمود، ثم جرجرت بصوت مبحوح: سأملأ هزالك بالكلأ  لما ينحسر الثلج!  
خلال الأيام  التالية، أثلجت الدنيا بكثافة، حتى بات الخروج من الأكواخ صعبا، ما عاند أحد برودة الطقس، خلا ثلة من النساء، أُجبرن على حمل أوعية طلبا للماء، أما الرجال فمقرفصون عند المدفئة، ينتظرون رقصة الشمس، ليعاودوا انتظامهم التسلسلي أسفل كوات المنازل ويستمتعوا بلفافات محشوّة همزا وتبطّلا!
حبيسة البيت ظلت "حادة"... بين الفينة والأخرى، تخفّ إلى الزريبة وبين يديها الخشنتين حزمة من عشب يابس، أو حفنة من الحبوب، والأمل الكبير في انحباس  الثلج يتعاظم يوما بعد يوم، لكن هيهات فقد تواترت الليالي بطيئة، منهزمة أمام فضاء ناصع،  وحده القرّ تعاظم مستويا على نعيب رياح غاضبة، اخترق المنافذ... ثياب "حادة"   المهلهلة، ارتقى عظام قفصها الصدري، ضعضع دفئه النسبي، ثم خرج من ممرق آخر، حاملا إلى آذان العابرين تباشير السعال والأنين. حُمّت "حادة" وانتكست من جديد، رفعت عينيها المعمشتين إلى السقف... كان قاتما فأربكها السواد، أشاحت، دوار شديد أصابها، أحّت، بصقت تحت الحصير، شدّتها قشة برسيم... "لو يأتي ويكسرها، يباركها لتأكلي حتى الشبع!"
 انتظارا انتظرت "حادة" بزوغ الشمس، وفي إحدى الصباحات، تناهى إلى سمعها صوت كالخرير... ولما دكّها اليأس والبياض الأبدي، ظنّت أنه الطّنين، فتجاهلته، مكتفية بنظرة خاطفة  مرّرتها على المكان الندي، ساعتئذ، لاحظت هباء دقيقا يمزق العتمة، فركت عينيها... كان خيط الشمس واضحا هذه المرة... لقد انحسر الثلج!
من فرط المفاجأة، قفزت حادة، اهتزّ خاطرها، والتبست عليها المشاعر، سحبت دفّة الكوّة مانحة نسيم الصباح وجها متغضنا وشمته سنوات الاحتراق... إنه العراء يناديك يا سليلة الأطلس الكبير الشرقي! قرون الأيل تتحدى أنياب محشّك، فاكشفي عن ساعديك وتمردي! تسمّرت "حادة" أمام الكوة متشبثة بالقضبان الصدئة، رنّمت لحنا أمازيغيا حزينا، وأخذت تتأمل المنازل التابوتية التي تبكي فقدها للأنس والصحبة، بعد أن سرقت الشمس كل الأجساد، لتدفئها من جديد. عاد بها اللحن إلى أيام مجيدة، ملؤها الخصوبة  والنشاط، لحظة كانت تحمل حزمات ضخمة على ظهرها، صاعدة عقبات البلدة دون حوقلة أو تمايل... مرّت وجوه أمامها بيّنة وقد اتقدت الذاكرة؛ فاضمة، احساين، اعبي، باسو، هنو... سلسلة من القسمات البائدة شلّت حركتها، بيد أن اللحن ماانفكّ متواصلا يربطها بالحياة، سرعان ما عرج بها إلى الحظيرة، والورطة الكبيرة التي حملتها على القيام رغم التعب: الهزال والكلأ!
 عندما دفعت حادة الباب الخشبي، كانت البقرة تتمرّغ على جنبها المعدودة عظامه، والمخاط يسيل من أنفها غزيرا، أصفر بلون الموت. في وَجَلٍ تهاوت الفلاحة بقربها، تتفحّص بيدين مرتعشتين الدابة المترنحة، كان هزالها هذه المرة مخيفا، ينبئ بالنهاية... وقفت "حادة" معتمدة ركبتيها والخوف يمتص قواها. إلى ركن كُوّمت فيه أكياس مهترئة جرّت قدميها، سحبت واحدا، ثنت فوهته لتبلغ ما تبقى في القاعدة من علف، وضعته عند رأس البهيمة، ثم خفّت إلى الداخل محضرة وعاء ماء... حاولت إنهاض الدابة فما تمكنت، أنى لها ذلك وقد أنهكت وشاخت قبل الأوان! ضاعت "حادة" فيما يشبه البحث والتفكير، معتقدة ألا مناص من شدّ أزرها... حسبك "حماد" إنه أقرب ملاذ! هكذا حدثتها نفسها المضطربة، فهرولت قاصدة بيته... طرقت بابه القصديري فما فتح، قرعته بشدة وما سمع، نادت عليه فأزاح المترسة عن الباب، كاد ينخلع لما جذبه!
حادة؟ نطق اسمها كمن رأى وجها ضاربا في الغياب، ومعه زفرة كريهة، لم تتعرّف المُستنجدة عناصرها الكحولية... إنه "احماد" عربيد القرية... ضخم الجثة، أصلع، على وجهه سيماء البلادة والرعونة... هي سمعت عن أخباره ومغامراته، لكن ما هجر أبدا بالها اقتراحه الزواج بها، بعد وفاة زوجها! وفيما كانت تشكي خطبها وحاجتها،  حاثة إياه على الإسراع، غرق "احماد" في استيهاماته وتحرّقه... ما ألذ الأجساد المذعورة! ثبّت نظرات ثملة على مناطق محددة من جسدها، فاندفع الدم إلى عروقه حارا، ساخنا، ثم أمسك يدها... فحّ قائلا: هدئي من روعك، ستمضي الأمور مثلما رغبت، الجو بارد في الخارج، سأزكم إن خرجت بهذه الثياب الخفيفة... تعالي! بحذلقة جرّها إلى الداخل، أترس الباب، فسرت حرارة غريبة في جسد "حادة"... إيه.. كم أُصقع هذا الجسد، كم أُلغي وأُعدم وامْتُصّت سخونته في البيداء! ما انتظر "احماد" جلوسها، أحاطها من الخلف بذراعيه، ثم همس في أذنها بصوت دافئ: فلنتزوج "حادة"، أنا وأنت وحيدان، أيرضيك أن أبقى عازبا وأنت مهجورة إلى الأبد! اقبليني وسأصير لك عبدا... أحبك... أحبك... أحبك...
حاصرها بالقبل، على البساط المرقع أسقطها، حاولت التخلص من سياجه، بيد أنه كان محكما مُصرّا على الخدش... عاندت فورته مذكرة إياه باحتضار البقرة، لكن جثته المحرورة أخرستها، كمّت تمردها، أيقظت شهوتها حد الاستسلام!
 في ارتخاء حزم "احماد" رباط سرواله، ارتدى جلبابه وانتعل خفيه ثم خرج. بعد ساعة قفل عائدا والوجوم يغشاه ملء الوجه... "حادة" استحلت البساط والملاءة فظلت مستلقية، عندما اقتحم الغرفة، تحركت، رفعت رأسها مستطلعة، نفحها الإطراق والوجوم، أحس "احماد" توجّسها، اندسّ بجانبها نصف ممدّد، أجابها قبل أن تستخبر: العوض على الله... ماتت البهيمة. جفّ حلقها، خانتها الكلمات،أوصالها المتعبة، دفنت هامتها في الوسادة، بَكَتْ في صمت، تاهت في خرائط التّفال.
لاينها "احماد" مستحضرا كل طاقته، وحنكته، ونزقه... أمطرها وعودا، مَلّطَ جميع الثقوب التي فتحتها، أثّر فيها لطفه، سخاؤه وهي الأرض المُحِلّة المشتاقة، المحتاجة للبلل... تزوجت "حادة" وتكلّف "احماد" الاستقامة... لاطفها أكثر وأكثر، وسوس لها حتى أقنعها ببيع المنزل:  روح "هنو"  خنقت البقرة، لم تمت من مرض أو قلة العلف، ولن تهدأ حتى تأخذ معها كل شيء، هذا ما شاع في القرية، ماتت الدجاجات الواحدة تلو الأخرى... وقد تختارك هذه المرة، أنت أقرب الناس إليها... لا بدّ من بيعه، وبثمنه نشتري ضيعة صغيرة... هيه... ما جوابك؟ من دون تلكؤ، فعلت ذلك... تعجلت رؤية أرضها تُحرث، تُسقى، يُحصد زرعها ليباع في المدينة علّها تُعوّض ما سرقت روح "هنو" الشرهة: البقرة و الدجاجات!
 يوما بعد يوم، يكبر الحلم، تهرع إلى الباب مستقبلة "احماد" وسؤال لقيط بين شفتيها: هل أنهيت الإجراءات العقارية؟ مخيلة "احماد" لا تنضب، مهنتها اختلاق الأعذار... طال انتظارها وعيل صبرها، واجهته لمّا خامرتها الشكوك، هذه المرة خاشنها... أرغى وأزبد، أذلّها، أشبعها ضربا، كاد يخمد أنفاسها، فتخلصت من قبضته، ثار، جرها من ثيابها حتى تخرّقت، بان صدرها ملتويا، ضامرا... جحظت عيناه الحمراوان ثم تمطى على البساط، يقهقه كمن أصابه مس، يعوي ويصرخ كالمخبول: حادة، البالية، المتلفعة، العفنة، أفني شبابي من أجلها، والأجساد الممتلئة في البلدة اتركها للديدان؟ هيا! احزمي أمتعتك وارحلي، اخرجي، فأنت طالق... طالق... طالق...

بهذه الدقات ياصاح، تبدأ الحكاية ويعلن القهر حضوره، تجبّره، انغراسه في الديمومة، وبهذه الكلمات التي أخطها، أنا شاهد القصة وكاهنها، أرسي معكم عند آخر مرفأ رأيت فيه "حادة" وهي تبسط كفّها متسوّلة، طارقة هذه المرة أشرس الأبواب، أبواب المدينة!

*** *** ***
                                                                                                                          حسن شوتام