خيالات
تُغريني مُخيّلة الأطفال، فأقرِّر ذات يوم
خطة تُمكّنني من استحضار صباي المنفلت كقبضة ماء. تأسرني رغبة التصابي، فأهمس في
قلوبهم، بصوت رفيع، رقيق، طفولي: أحبتي الصغار، قبل مغادرة الفصل، سنمارس جميعنا
لعبة مسلية تسمى "الخيالات"، هيا، أغمضوا أعينكم الجميلة، تخيّلوا موقفًا،
أشياء معينة، أشخاصا، أي شيء... هيا!
في استسلام وحماسة يعانقون الظلام.
تغويهم العتمة المصطنعة. يبتسمون. ربما سئموا – هم أيضًا - الأنوار الزائفة،
والنُهر المعتمة! ثوان فقط تنحلّ عقدة اللسان، فيشرع تلامذتي في الكلام ووصف التمثّلات:
·
أرى أمي جالسة في فناء الدار وبين
يديها رضيع كالحمل، تهدهده بحنان فيغفو. كم هو محظوظ ينعم بالدفء والراحة، بينما
يقرسني التعب والبرد في حجرة الدرس. (يضحك) أوه... قطنا يتكلّف النوم... يتمطَّى
كقطعة قماش بالية... صه! عصفور يلج الحلبة... خدَّرته الشمس وامتصت تيقظه... بف!
وقع في الشرك!
·
أنا يا أستاذ أشاكس الخنافس،
رائحتها الكريهة لا تطردني، أنتقي واحدة وأقلف سقف جسدها، أعرِّيها كما أقشر
البرتقال، انقباض واهتزاز الشحم يسليني... الآن... (فاغرًا فاه) أتملَّى السماء،
حالكة سوداء كسقف خنفساء، أقلفها هي الأخرى... لا شحم ولا جنَّة... الخواء والسواد
فقط... أقيء هذه المرة!
·
أما أنا، أتصوَّرني أمشط شعر أختي
الشقيّة، أشدُّه بقوة، فتصرخ مقطبة، مدمدمة. أبدأ في الانشاد علَّها تهجر البكاء:
مدرستي الحلوة... مدرستي الحلوة... مد... تقاطعني، وتزهق من أسنان المشط مُحتجّة:
لماذا لم تحضري لي الحلوى من المدرسة؟ لن تمشطي شعري بعد الآن حتى أحصل عليها!
·
أرى حقولاً متعددة ألوانها،
يتوسطها جسد بدين ضخم لا يتحرك، جلبابه مرقع... لا وجه ولا ملامح تميزه... قالوا
عنه فزاعة، غير أنه بريء، طيِّب، يحترم العصافير، فلا تهابه... بل تشحذ مناقيرها
عليه استعدادًا لكشط السنابل. الآن... أدنو منه... أسخر منه... أُسقطه فأحتلُّ
مكانه... أستحيل فزاعة متخشبة... أبتسم، فتخفق العصافير وترحل!
·
أخرج من المدرسة والغبطة تدفعني
كما الريح للتسابق مع أقراني... نتدافع، نتصادم، ونزعق كالمجانين. في طريقنا،
نلتقي بلص القرية الشهير "علي"، نتحاشى نظراته المرعبة، ونطأطئ رؤوسنا،
حتى إذا جاوزناه، نستبسل ونُسمعه نشيدنا الجماعي اللاذع: "علي" الشفَّار
(اللص) يمشي للنار... "علي" الشفَّار يمشي للنار. يطاردنا ككلب مسعور،
تتشتت الكوكبة. أعدو وأركض. يلاحقني. يكاد يمسك بي لكن خفتي تغيظه، يستنجد
بالحجارة، فأقرر الاختفاء!
أصغي إلى خيالات أطفالي والابتسامة
لا تفارق شفتيَّ، أن أرحل إلى براءة الماضي من خلال ذاكرة تطفح صفاء وعفوية،
يمنحني شعورًا عرضيًا بالاستقرار، لغة الأطفال حقيقة تسرق مني فرحتي المغتالة،
تمتشُّ همِّي الذي استعمر مقلتيَّ فاحترفت الأسى والبكاء. زَحْفُ التمثلات يتوالى،
يتواتر... أتذرع بالوقت ختمًا للعبة، يصرُّون في استعطاف على الاستمرار، أعدهم
بتكرارها ثم أطلب منهم الانصراف. يتخلَّف عثمان، أجرأ تلامذتي. يرمش بعينيه
الضيقتين بخفة، كما لسانه يتحرك دون كلفة: أنت أيضًا يا أستاذ، غدًا، ستصف لنا
خيالاتك... أليس كذلك؟
أومئ بالإيجاب، فينسحب من القسم
مقلدًا أزيز جرَّار. رهين حجرة الدرس أظل، بجدرانها المتصدِّعة، وطاولاتها
المنخورة العرجاء، ونوافذها المشرعة صيفًا وشتاء. أتذكَّر عثمان وجرأته، أتنفس حجم
الورطة، لكن أقرِّر ركوب التجربة وكشف خبايا الذاكرة. أعانق الظلام وأسافر...
أجدُني متوسطًا ركحًا عتيقًا، خافت
الأضواء، موزَّع الفضاء. هياكلنا المتوترة تعاني التقلص، في الكتف وأسفل الحبل
الشوكي وفي العنق. جهازنا التنفسي يعاني الاختناق. في الرئة هواء فاسد. أعصابنا
العقلية والجسدية مقيدة. لا مندوحة من تمارين الاسترخاء، والتنفس، واكتساب
السيطرة. لا مندوحة من خلق جديد يفعل الحياة بكاملها فوق هذه المنصة، أخالني رئيس
الفرقة، أديم التفرس في عيون الطلبة، أنوِّمهم وأحملهم على تمثل أبهج الصور.
أنفاسًا عميقة يأخذون، ولأعصابهم مُحرِّرون. الصمت يغشى المكان، بين الفينة
والأخرى تقطعه التعليمات. أنتظر ولادتهم الجديدة، تعبيرًا جسديًا، نطقًا سليمًا،
ترنيمًا مميزًا، حركة منظمة ومرونة في الأدوار. لحظات فقط، أحصد السواد. السمفونية
الآسية تلفُّ الصالة، وخدود الطلبة تغسلها مقل دامعة، ذاوية. يصفعني المشهد وفشل
التمرين، أستنسر وأخفق بجناحيَّ، أصنع زوبعة مستعيرة لفضح الصور المنتقاة. الجفون
تنكمش، تنحسر... قحط، جدب، لا أثر لأي مشهد يسرُّ، كلها خيالات نتنة، مقرفة،
تهيِّج الأعصاب وتوتر العضلات. أحدهم يستمني، وآخر يفتش عن لؤلؤة في الأمعاء، وذاك
يؤس بيته بغبن الفقراء، وبقيتهم يعتِّقون الأشلاء!
أشفق عليهم، وعلى نفسي، لا أدينهم
أو أدين نفسي. هو ذا جيلنا العصبي، ضحية جذور عفنة لأن الشجرة تُعرف من ثمارها.
أعصابنا ستتحرر طلبتي الأعزاء، بقلع الجذور العفنة، إنه بداية التمرين!
ما زلتُ ممتطيًا حلكة الخيال،
والصور تحضرني مختلطة، مصرَّة على كشف وخرق الذاكرة، تستقر هذه المرة على فضاء
مدرسة سحيقة، مثخنة بالمأساة والأوجاع. زعيق أطفال، دخان مدفئة، وخفقان راية
ممزقة، ثملة. حمادي، المكلف بمطعم مدرسي، يبدو كدجاجة محاطة بفلاليس، يحشو كسر
الخبز بالسمك المصبَّر، والأفواه الصغيرة تتحلَّب انتظارًا وجوعًا. بخفة تتحرك
يداه، توزعان القطع المكوَّمة على شكل جبل أو هرم فتضمحلُّ دارة الأطفال، دقائق
فقط، يستعمر الصمت المكان، يشغر المطعم إلا من صاحبه، وعلب السردين المشرعة سقوفها
المسننة. يتأملها حمادي ببله، يحك شعره المغبر، المتلبد، فتجتث أصابعه الخشنة بعض
الشيب. يرمق العلب الفارغة. جامدة، ساكنة، لكنه يخالها ساخرة، مكركرة. مذ كان
فتيًا وهو يعالجها، وما انفك يفعل ذلك، وهو الأشعث، الأشيب. يتأفف، يؤهُّ، يحس
الزيت المتراكمة رائحتها كل هذي السنين، تغلي، تتفرقع بداخله، يحمل معدته على تقيئ
رتابة، فقر لازمه كالقدر. يداعب هذه الرغبة بأصبعه، فيقيئ الخواء! يتبرَّم، يتأمل
العلب من جديد، هذه المرة تنوشه ضاحكة: وهل يقيئ من كان رهين الجوع والخرس؟ يثور
حمادي، يركلها بقوة، فتتطاير في الهواء، معانقة ساحة المدرسة وزعيق التلاميذ.
ضجيجهم علامة ودليل انتهائهم من بلع كسر الخبز، وأيضًا بحثهم سبل صرف فائض طاقتهم.
صدى ارتطام العلب بالأرض لوى أعناقهم، وصرفهم عن اللعب، لا مجال للّهو والأمعاء
غير مُكتفية... الآن، يبدأ التسابق والتدافع، تستيقظ لذَّة اللَّحس، ويشرع الكلُّ
في التنافس والتصادم. يُثار الغبار، ويحمى الصراع، أضيِّع وسط اللقطة، لكن أخطف
النهاية؛ العلب المُهملة تعاني الأسر واللّعق بلا رحمة، دروعها المسننة الحادة،
شرمت الألسن، ومزقت الأصابع حتى الادماء، بيد أن الصغار أبدًا ما أحسوا الألم.
همهم الوحيد، خنق ذاك الوحش الذي ينمو ويتكاثر في بطونهم. حمادي بسرواله المرقع،
يحك رأسه المتلفّع، يتسلَّى بمشهد التزاحم والتدافع، ونهم لاحسي علبه الفارغة،
المركولة... "اتْفُو... إننا نعيش الثبات"!
أخلص أنا الراكب جرح الخيال إلى
هذه النكسة: أن تعاني الثبات، والركود كماء آسن، فاسد، يعني الانخراط في دائرة
المتجاوز أو المهجور. ربما الخروج من الطبيعي المتجدِّد، إلى الشاذ المنبوذ. طيف
عثمان يمثل أمامي بكل شموخ. آه لو أملك طهره، براءته، جرأته، لو أرتقي لأسلوب
الصغار!
قفر الذاكرة عاهتي، عجزها عن
امتصاص الألم محنتي، الخيالات عفنة، ممضَّة، ممنوع وصفها لأحبتي. أخيرًا أبحر مع
عاشق زاده الزهر والأمل، أراه متأبطًا كتابه، والقصيدة الخجلة ترنو لهمس الحبيبة،
وحور العيون العنيدة، يحثُّ خطاه، والقلب البعيد يهفو ويقترب، يسوِّي هندامه،
ينتظر اللقاء الحلم على عتبة الباب، يقرع ويقرع. يتردد صدى الغياب. يتشبث بالأمل،
يطرق الباب مرات، يلكزه غياب تام، ورحيل مؤكد. يتلفت يمينًا ويسارًا، جميع الأبواب
موصدة. أيسأل عنها الجيران أم الجدران؟ اللاأدرية المرعبة تتقفَّى حرقته، طريقه
نحو المجهول. إنه يزحف، يُحوقل في مشيته كشيخ دكَّه قرُّ السنين، أملُّ مسيرته
الطويلة، البطيئة، فأُسمعه صوتًا من السماء، لأحدَّ بحثه وشقاءه: ضالتك ضمَّها
التراب، حبيبتك أقامت عند الرب، اقفل وارجع، فحاجتك لن تصيبها مهما عاندت!
§
وأين شاهد قبرها... أين... أين؟!
هكذا يزمجر ملغيًا قدسية الصوت
السماوي، أباركه وألفه في الظلام. يستشيط غضبي، مللي، فأقرر تمليط ثقوب الذاكرة.
أفتح عينيَّ، وأشبعهما من إعاقتنا المستديمة، لأدرك أن خيالاتي وتصوّراتي امتداد
لها. أنسحب من الفصل وثقل الورطة يلازمني. أفكر وأهمس لنفسي: كيف أصف النتانة لتلامذتي...
أنجِّس الطهر والبراءة، وأقضُّ مضجعهم بأنَّاتي؟ لكن، أليس من الضروري تهييئهم
لغبن المأساة، إعدادهم لزمن الخطيئة المؤكدة؟ وأُحرق المرحلة الملائكية! لا...
لا... لن أفعل ذلك ولو تعمّدت الكذب! أجل... لِم لا أكذب؟ أوليس الكذب سِمة كبرنا
ومأساتنا؟ سأكذب لخاطر تلامذتي، أُلمِّع تمثلاتي المغبَّرة. عذرًا عثمان سأنحدر
لأسلوب الكبار!
*** *** ***


