السبت، 25 مارس 2023

                                                                                       العين الزرقاء             



 

كان مُستغرقا في قراءة عموده الأدبي المُفضّل عندما جاءه الصّوت الجَهْوَرِيّ الخشن والعريض؛ مُستفسِراً عن خُلوّ المقعد جانبه من أي راكب. إيجابا أوْمَأ برأسه دون أن يلتفت إليه، لكن سرعان ما داهَمَهُ شعور فادح بالصَّغار والانكماش بمجرّد جلوس المسافر. صحيح أن لا صِلة تربطهما ولا يعرفان بعضهما قطعا، بيد أنه يذوب خجلا كقطعة زبدة كلّما رَمَتْهُ المصادفات برجل قويّ البنية، طافِح الذكورة.

طوى الجريدة كمن تحقّق عبث الاستمرار في القراءة ثم أزاح ستارة المنفذ بعض الشيء لمُعاينة الموقع… فاجأته " العين الزرقاء" المتلألئة بين أشجار النخيل، الوديعة وسط مناخ جاف لا يلين... تذكّر زوجته بهيّة وتعرّفه إليها في هذا الموقع السياحي البسيط... كانت تجرّب بعض المشغولات اليدوية حينما تناظرا صدفة في قلب الخيمة فَأرْداهُ سَهْمُها الأزرق صريعا... تعمّقت صداقتهما أكثر... طلب يدها وبمباركة العائلة تزوجا...أحبّت فيه الطيبة والتواضع وأحبّ فيها الهدوء والرّقة وطبعا عينيها الزرقاوين.

 ألقى نظرة أخيرة على الواحة ثم أرخى السّتارة وأسئلة عديدة تضطرب في سِرّه: هل تنطفئ "العين الزرقاء" يوما ما كما انطفأت عيون بهيّة تلك الليلة؟ من سرق بريق عينيها؟ أتنتهي به الشكوك إلى الجزم بوجود "آخر" في حياتها؟ " آخر" يشبه الرجل الجالس بجانبه؛ قوي البنية، فارع القامة، ضخم اليدين. تأمّل هو أصابع يديه لبرهة... نحيفتان... رطبتان... صغيرتان... يعلوهما شعر خفيف يكاد لا يُرى... لربما أشعلتها أصابع غليظة ماكرة، وألهبتها قبلات غاشّة جائعة، فسقطت على غابة صدره لتُكمِل انصهارها في بوتقة اللذة!

أرعبه المشهد الأخير، فتعمّد فتح الجريدة من جديد واستدعاء تركيزه لمواصلة القراءة... لفتت حركته السريعة انتباه الراكب بقربه، فحانت من هذا الأخير التفاتة ما فتئت أن تحوّلت إلى اهتمام فاسترقاق للنظر... أدهشه تطابق صورة عارضة الأزياء بفستان العرس مع صورة زوجته بأنفها الدقيق وفمها الصغير وعينيها الواسعتين الزرقاوين... بيد أن بياض الفستان حفّز ذاكرته على استحضار تلك الليلة المشؤومة... كان الأهل في الخارج ينتظرون على وقع الدفوف دليل العفة والشرف، وكان هو في الداخل مع حبيبته الخائفة في امتحان مضغوط للفحولة والرجولة... كاد يُغشى عليه آنئذ لمّا فار الدم وجرى على السرير متدفقا... على وجه السرعة نُقلت إلى المستشفى وتمّ إنقاذها من موت مُحقّق... لن ينسى تعليق الطبيبة الغاضبة تلك الليلة بعد أن عالجت النزيف الحاد ونعتها للفاعل بالحيوان... من ساعتها وحبيبته تتحاشاه... من ساعتها وهو يراجع طبيبا بحثا عن التوافق... من ساعتها وحتى هذا اليوم وهذه اللحظة التي يستقل فيها الحافلة وهو يذوب خجلا كقطعة زبدة كلما رمته المصادفات برجل رقيق الجانب، متعلّم، رزين... واضح الثقافة!

 حسن شوتام

رحمة

عن جامعة المبدعين المغاربة

2021


     *******

                                                                 ذبابة العين

ما كاد يخبرها بانكشاف سبب هزالها البيّن والسريع شهورا قليلة منذ زيارته الأخيرة لبيت العائلة، حتى تهافتتْ على كرسيّ قريب منها وصعّدت زفرات حرّى مغالبة دموعها...

-         أمي من أطلعتك بالأمر؟

سألته دون أن تنظر نحوه.

-         أجل.

أجابها بهدوء ثم أضاف بنبرة عتاب لطيفة:

-         الإخوة يولدون للشدّة! ما كان يجب أن تخفي الموضوع طيلة هذه الفترة وتمنحيه حجماً نفخته في ذهنك المخاوف والتّخمينات المغلوطة!

بقيت ساهمة للحظات وكأنها تُلقي بدلوٍ في فراغ بئر نازح بعيدة القرار، مكابدة ثقل ومرارة استحضار بداية الأعراض وما لحقتها من تداعيات مُربكة في صحراء التيه.

في إحدى صباحات العام الجديد، فتحت عينيها على شيء غريب يطفو ويتنقّل في مجال البصر. فإذا حاولت تحديده اختفى دون لمح البصر! سحبت الأغطية الثقيلة برفق وبخطوات حذرة مرّت بجانب جسد والدتها المكوّر كأنه تلّة صغيرة أو عجين جاوز فترة اختماره. في الحمّام، تجاهلت الصنبور المفتوح وهي تحاول جاهدة التخلّص من ذلك الشيء الذي علق بين جفنيها حتى احمرّتا من فرط الغسل والفرك! لا شيء غير أديم السماء الفاتح قطع الشّك باليقين... شخصت ببصرها إلى العلاء ثم حرّكت مقلتيها في كل الاتجاهات فتبيّن لها خيط رفيع يشبه الشّعرة وما كانت كذلك؛ بل أدركت بحدسها البسيط أن العلّة كامنة في الجزء الخلفي والخفيّ من العين.

نزلت ساعتئذ أدراج السطح كسيرة الخاطر وقلبها يخفق بشدة وكأنها تعبر وادي ظل الموت!

خلال الأيام التي أعقبت ملاحظتها العفوية، فقدت سلامها وتوازنها إذ ليس أفظع من خوف يسكن القلب فيشلّ التفكير ويضعف الانتباه ويرخي أوصال الجسم؛ فيحرمه طيب المنام حتى يتردّى حاله من سيّء إلى أسوأ!

لم تلاحظ الأم الكفيفة فقدان ابنتها الوزن الطبيعي، بل أمعنت في تأنيبها كلّما أسقطت وعاءً أو كسرت صحناً أو قلبت حلوى أعدّتها بذهن شارد! لكن ما لبثت الأم أن اكتشفت ذات حمّام مغربي وبخبرة يديها حالة جسدٍ فقد لحمه في غضون أسابيع قليلة.

انجلت سحابة الهمّ عندما أفضت إلى الوالدة بالمشكلة، لكن سرعان ما عاودتها الوساوس وامتلأ ذهنها بعديد الاحتمالات المُقلقة. وكان جهاز الراديو هذه المرّة البوابة التي نفذت منها معلومات طبيّة بشأن موضوع "عوائم العين"، لم تلتقط منها المسكينة سوى جزء خاص كانت ضيفة البرنامج الإذاعي تتحدّث فيه عن ظهور "الذبابة الطائرة" وكيف يمكن أن يشكّل جزءاً من مشكلات بصرية خطيرة جدّا من مثل تجعّد الشبكية والتهاب العنبية والنزيف والأورام البصرية!

شائبة طافية نجحت في إغراقها في بحر من الأكاذيب والأوهام وإذابة ما تبقّى من لحم على العظام، وإجبار الأمّ على التخفّف من ثقل الأزمة بعد استقدامها الابن الأكبر من إحدى مدن الجنوب الشرقي المغربي ليساعد أخته في محنتها ويأخذها لإجراء فحوصات دقيقة في مصحّة متخصّصة في طبّ وجراحة العيون.

رغم كلمات الأخ المُشجّعة واسترساله الطويل في طمأنتها فقد ظلّ قلبها مُغلقاً دون تأثير وعوده الصادقة وخططه العمليّة. وفيما كان يحاول تقزيم حجم الذبابة العائمة، بقيَتْ هي جامدة على الكرسي تحملق في أرضية الغرفة ذات الخطوط المتشابكة مفكّرة في السّفر البعيد إلى العاصمة والإقامة المكلّفة هناك ونتيجة الفحوصات ومصاريف العلاج وعدد الأسفار القادمة بغرض المتابعة والوالدة الكفيفة...

 أسئلة كثيرة تتردّد في صدرها كطنين ذباب قذر مزعج!

حسن شوتام

الثلاثاء، 13 يوليو 2021

 

طلائع الفجر... نجيب الكيلاني




تؤرّخ الرواية لكفاح مرير وشاق شنّته قرية صغيرة اسمها "رشيد" ضد القوات الإنجليزية وبعض الخونة من "أرمينيا" غير أن أبطال مثل المقنّع "إبراهيم" كان كفيلا بأن يجلي عتمة الليل فاسحا الطريق أمام طلائع الفجر.

 

من الخاتمة نقتبس هذه الفقرة:

 

لقد كذب الطبيب...

ثلاثة أيام فقط، عاشها إبراهيم ينوء تحت وطأة الجراح، ويهذي من أثر الحمّى، فإذا ما أفاق، نظر إلى روز، وإلى أمه وأبيه وأخيه وابتسم ابتسامة مشرقة بالإيمان والحب والسعادة وقال: لِمَ تبكون؟ إنني ذاهب إلى الله...

 

الجمعة، 9 يوليو 2021

الزمن الموحش...الروائي السوري حيدر حيدر

 

الزمن الموحش... الروائي السوري حيدر حيدر




الرواية تحكي عن أزمة الانسان العربي وصراعه من أجل تحقيق وفهم ذاته وسط عالم يعجّ بالمتناقضات. ويناقش عدة قضايا مرتبطة بالدين والسياسة والجنس كثالوث يُصنّف في خانة المحظور.

مقتطفات من الرواية:

-           ...وفي أي مكان من أرض العبور لو سألت العربي: إلى أين تمضي؟ لأجابك: مع الريح!

-           ابن الفلاح الأصيل لا يهاب الموت لأنه يعيش مع الموت.

-           وهذه الأرض لماذا لا يجتاحها طوفان لا ينجو منه إلاّ رجل وامرأة يلدان العربي المعاصر؟

-           "منى" اسمحي لي أن أقول لك إنك مؤذاة. ربما كنت أبغي جسدك. لكنني أريد أن تمكثي بقربي وفي داخلي إلى الأبد...عندما أقول لك أنت شيء خاص موثق بتاريخي في الحاضر والمستقبل فأنا أعني ذلك فعلا. أنا بدونك لا شيء. نحن بدونك ضباب. ينبغي أن نحرق ماضينا ونتقدم في التجربة حتى الأقصى. بدون أب بدون أم بدون إخوة حتى ولا أصدقاء الآن. نحن بداية هذا العالم، هذا ما أحسّه معك أبدا.

الأحد، 4 يوليو 2021

في الظلام

 

"في الظلام" رواية لنجيب الكيلاني فازت بالجائزة الأولى لوزارة التربية والتعليم. وتحكي عن حلم مناضلين في تأسيس جمهورية والاطاحة بالملكية وكيف يمكن أن تهون أقدس العلاقات والروابط الإنسانية في سبيل المبادئ.





تصدير الرواية:

كان الطريق موحشا رهيبا! وكان الظلام يُلقي ظلاله الكئيبة على كل شيء! وكان الأحرار يقاسون الأهوال في داخل الأسوار وخارجها!

إن الفترة ما بين 1948-1952م كانت فترة اهتزاز في القيم، واضطراب في المفاهيم وارتباك في شتى الشئون السياسية والاجتماعية والوجدانية...فترة قلق وحيرة! لكن الحقيقة الكبرى الناصعة هي أن الشعب كان مُصرّا على النصر، لهذا أخذ يتلمّس كل الطريق، ويلهث بحثا عن النور... عن حياة أفضل... فقد ملّ العيش "في الظلام"!!