الجمعة، 6 يوليو 2018

مقال

حمّى النشر!
«صرخة الأبرياء في دائرة الاحتضار» كان عنوان النص الأول الذي أرسلته لإحدى الصحف الأسبوعية المغربية أوائل تسعينيات القرن الماضي وأنا بعد تلميذ في الأولى ثانوي. ألهمتني الفكرة طالبة جامعية أصيلة الانتماء والولاء للفصيل القاعدي الماركسي. كانت وقتها تتحدّث بحماسة شديدة عن مقالها الذي نجح في اعتلاء منبر الصحيفة الحرّ وإفحام الخصوم -أعداء الشعب- ببراهين قاطعة وأدلّة موثّقة حول ما تُقاسيه الطبقة الكادحة من ممتهني التهريب المعيشي بـ"باب سبتة، باب المصائب"؛ وكان هذا عنوان مقالها المنشور آنذاك. كانت هذه الطالبة تجمع -إلى حماسها وجدّيّتها- قدرة رائعة على الاستمتاع بالحياة. ولعلّ ذلك ما جعلني إبّانها أتوق إلى اكتشاف سرّ الجمال الذي تحلّت به فجأة فيما كانت تطري مادّتها الصحفية. طالتني وتمكّنت مني "حمّى النشر" حدّ إلزامي مائدة الطعام الوحيدة التي في حوزتنا والتي تحمّلت شتى ضروب الامتهان والاستعمال أشرفها الكتابة.
حشدت لهذه المهمة جميع إمكاناتي اللغوية والوجدانية أمّا المعرفية فلم تكن مانعة لانطلاقي في رحيب الآفاق؛ إذ اخترت التعبير بلغة شعرية مكثفة عن آلام المقهورين والمستضعفين في العالم.  كان في داخلي ما يكفي من الحزن والغضب لتكويم الحروف والكلمات واستخدام موهبتي نِشارة لإضرام المعنى. كان حاصل هذا الاحتراق الكامل خاطرة «صرخة الأبرياء في دائرة الاحتضار».
وبدأت حمّى الترقب... يوم من الأسبوع أنتظره بين واثق من النجاح ومتحيّر في إطلاق عنان الأمل. أردت فقط علامة تؤكد وجودي في رحم الكتابة؛ ليس أكثر! كنت أقف عند عتبة الدكان الصغير والمدهش بفوضاه الجميلة؛ عيناي على رزمة الجرائد أنتظر تنضيدها التراتبي المائل بين مشابك الدعامة الحديدية. فلا يكاد الكتبي/البقال ينتهي من هذه العملية حتى أكون قد اختطفت من بين يديه "حاملة اسمي الواعد" ونفحته الدراهم ثم أوغلت في انعزالي كما سالف المرات لأشهد وأعاين مجد تلك اللحظة. وبذات الارتعاش والصمت والترقب، أفتح الجريدة، أقلب أوراقها، آخذ نفسا أخيرا قبل أن أرتقي مدارج "المنبر الحر"... وهناك، عن يسار الصفحة، وجدتني أخيرا رازحا تحت وطأة خاطرتي بعنوانها الرمادي البارز... وكنت سعيدا بثقل ذلك النّير كما المسيح في طريق الجلجثة تحت عود الصليب.
جعلتني هذه التجربة أقطع بأن "لذة النشر" كانت وراء ذلك الإشراق الذي تسربلت به الطالبة فجأة فيما كانت تطري مادتها المنشورة. ليلة الحدث الكبير عينها عاودتني "حمى النشر" ففزعت إلى صفحة بيضاء أبثّها شيئا يمكن نشره... في دقائق كان النص جاهزا! ابتسمت ابتسامة النّشوان دون أن أعي أن ما كتبته كان في الحقيقة محض هذيان!
وما أسرع ما جاء الردّ، بليغا مُثبتا في زاوية "بريد القراء": مساهمتك الثانية غير صالحة للنشر وننتظر منك الجديد.
طويت الجريدة صبيحة ذلك اليوم وابتسمت ابتسامة رضى وقد زايلتني تماما "حمّى النشر"!
   حسن شوتام

الأربعاء، 4 يوليو 2018

نص مسرحي










مسرحية قصيرة:                             الجدار
الومضة الأولى
(الركح شبه مظلم وفارغ تماما... موسيقى تنبئ بخطر... نسمع صدى انهيار أو سقوط أشياء...يدخل رجل خمسيني وكأنه دُفع دفعا إلى وسط الخشبة... تُسلّط عليه دائرة ضوء) 
أستميحكم عذرا؛ سيداتٍ وسادةً وطبعا جميع نظّارَة هذه الومضة المسرحية (ينفض ثيابه الأنيقة والبادية النقاوة) لا تندهشوا من هذه الحركات فأنا أدرى بالدائرة التي خرجت منها لحظات قليلة بعد السقوط... أو بالأحرى بعد السقوط المتكرّر... تفاديا لأي لُبْس أقول سقوطي المتكرّر! (يخفض رأسه) في الواقع؛ أنا رجل بائس، كريه... تحت بذلتي المكوِيّة  تـرقد ثنايــا من الخيبـات، وخلف سمْــتي المعـهود تتــلاطم أمواج من الرغــبات. تعبــتُ من الــوجـوه المزدحمـة في داخــــلي وتدافعها المستمر للظهور في المناسبات. فقررت أيها السادة والسيدات وطبعا الأفاضل نظّارة هذه الوقفة الاستثنائية... أجل قرّرت أن أقف تحت بقعة ضوء كاشفة... بقعة ضوء واحدة تحصرني كي لا أسيح كالزّبد وألطّخ من يُصافحني أو يعانقني أو حتى يصطدم بي عن غير قصد في ممرّ ضيق أو لقاء عابر.  
(إظـــــــــلام)
الومضة الثانية
(الرجل دائما تحت دائرة الضوء لكن هذه المرّة نراه جالسا على كرسي)
بهكذا تبريرات يا رأسي لن تُشفى! ثملاً كنتَ أو مُجهدا أو حتى حاملا لذاكرة مشوّهة؛ لا يُعطيك الحق في دغدغة مشاعري ومكامن ضعفي! لا يعطيك الحق في توجـيه حواسي وقيـــادة جسدي بالكـامل، مُستعينا بكل صفاقة بِيَدَيّ ورِجْلَيّ في قفزة حُرّة وبدون مظلة! أيّ مصير كان سيتلقّفني لو لم يكن هناك... في الوقت والمكان المناسبين؟ تُحب تجريب كلّ شيء؟ جرّب مرّة أن تستحيل عضوا آخر غير ما أنت عليه لتُقدّر مركزك المرموق بين كتفين... قَدَمًا مثلا تتعثّر بعتبة الحانات وتمتلئ في غفلة منك من مياه حفر الطرقات العكرة الباردة... وما أعجبك يا رأسي عندما تسير بغير هُدى لا تلوي على شيء؛ تُسلِمُ ساقيك الواهنتين للمجهول فتنتهي بهما إلى مزبلة؛ وهناك تلعن الدنيا وما فيها وتضرب بقدمك علب السردين والقوارير... تضرب بقدمك البريئة كل شيء وتكسّر بها كلّ شيء وأنت لعمري الجدير بالضرب والكسر بل القطع القطع القطع!
(إظـــــــــلام)


الومضة الثالثة
(الرجل، الكرسي وأعلاه حلقة حبل مشدود)
سأريح قَدَمَيّ ويَدَيّ منك... أريح العالم منك لأنك كريه، مُلوّث الذهن، مُشَوّش التفكير، رجل أثيم، خطير يستحق الموت! بيدين تعوّدتا الاشارة والإدانة والخيانة بتوجيه منك، ستكون نهايتك! (يرفعهما أمامه و يخاطبهما) أخيرا ستنعمان بالسكينة ولن تتلطّخا  بعد الآن بدماء بريئة... ولأول مرّة ستختبران رعشة جديدة؛ أنتما اللتان لم تعرفا يوما وجه الخوف! (يخاطب رجليه) ولَكُما أيضا قَدَماي المسلوبتا الارادة نصيب من الـراحة... لن تسعيا بعد اليوم في طـــلب حاجات الجســــد والنفس... ولن تضطركما حماقات الرأس للهرب والقفز على الحواجز... هنيئا لكما بلعبة التدلّي من الحبل؛ أنتما اللتان تصلّبتما لسنوات عديدة تحت طائِلة الحِمل! طوباك أيها الجسد بحق تقرير مصيرك... فعلتَ حسنا إذ اخترتَ الانفصال عن رأسك... ستستقبلك مساحة واضحة الحدود ولن تهتم فيما بعد بمشاريع التهيئة والتّوسعة، أو تُغوى بإيعاز من هذا البغيض (يشير إلى رأسه) بفكرة ضمٍّ أو إلحاقٍ عدوانيّ سافِر.
(يتجه ناحية الكرسي ثم يرتقيه مُديرا ظهره للجمهور)
سلام لكما يداي...سلام لكما قدماي... سلام لك جسدي... (في التفاتة أخيرة يخاطبهم)  سلام لكم أيها الأفاضل وطبعا جميع شهود هذه اللحظة الختامية... سلام...سلام...سلام...
(موسيقى تُنبئ بالخطر... يتهيأ لشنق نفسه وعلى حين غِرّة ينزل جدار فاصل من أعلى إلى أسفل؛ يحول بينه وبين الحبل... من هول المفاجأة يسقط الرجل، ومن عمق عتمة المسرح يخرج شاب متين البنية واثق الخطوة يتقدم لمساعدة الرجل على الوقوف)
الرجل: كيف عرفت مكاني يا هذا؟
الشاب: (يساعده على الوقوف ويبتسم) لستُ "هذا" الغريب عنك!
الرجل: لا تُحاول إقناعي بذات الفكرة...
الشاب: لست فكرة يا صديقي، أنا حقيقتك التي تنكرها في كل مرّة!
الرجل: حقيقتي عاينتَها غير ما مرّة... ليتك تتركني وشأني وتكفّ عن ظهورك المفاجئ ووقوفك بيني و بين الباب الذي
        صنعتُه لخلاصي!     
الشاب: يا رجل... الجدار العازل الذي شيّدتَه أصلب من أن يُشقّ فيه أي باب آخر للنجاة أو الهلاك...
الرجل: (في سخرية) أنا؟ أبني جدارا فاصلا بيني وبين باب أراه السبيل الوحيد للخلاص؟ كيف؟

الشاب: اعترافاتك تفعل ذلك!
الرجل: أوليس الاعتراف سيد الأدلّة وما أستحقه كجاني هو العقاب؟
الشاب: والاعتراف بالخطأ فضيلة وما تستحقه هو الرحمة!
الرجل: أنت والجدار سيّان، لا تتركان لي أبدا منفذا للهروب...
الشاب: أنا هو ذاك الجــــدار بقوته وعدله ورحمته... أنبثق من حــرارة اعترافك، وأنتصب أمامك لتسند رأسك علــــــيّ
         وتسترسل في فضيلة الاقرار!
الرجل: (يجثو على ركبتيه ورأسه بين يديه... يصرخ)  سئمت يا من تُسمي نفسك الجدار من دوراني المستديم في ذات
        الحلقة. فهلا كشفت لي أبعاد وشكل هذا السقوط!
الشاب: لا لون ولا شكل ولا طعم له في ذاته... هو يأخذ شكل أفكارك فخططك ثم تصرفاتك التي في النهاية تعطيك
         شكل وأبعاد سقوطك... وطبعا أنت أوّل من يتعرّف لونه ورائحته وطعمه...
الرجل: (في سخرية) لا فرق إذن بينك وبين باقي الجدران... تُردّد صدى أسئلتي فحسب!
الشاب: إن أرهفت سمعك إلى صدايَ تُجيبك نفسك بقدر دقّة وصواب سؤالك...
الرجل: (غاضبا) هل تقصد تخطئة أسئلتي؟
الشاب: بل أشجعك على المحاولة فالمحاولة حتى تجد السؤال الأرجح!
(يبدأ الرجل في التفكير وفي ذات اللحظة وبهدوء يختفي الشاب في العتمة وينسحب من المشهد... الجدار أيضا يُعتّم أو يُرفع مع الحبل. بعد هنيهة يشرق وجه الرجل ويلتفت)
الرجل: أيها الجدار أين أنت؟ لماذا اختفيت؟ لقد صُغتُ سؤالا آخر وأحتاج رأيك فيه... أيها الجدار... ماذا قبل
        السقوط؟ ماذا قبل السقوط؟ ماذا قبل السقوط؟
(يردّد الرجل سؤاله ثم يخرج باحثا عن الجدار)
(إظلام تام وختام)
                  حسن شوتام
               يونيو 2016