الاثنين، 22 أبريل 2019

مقال


التفرغ الإبداعي .. حلم المصالحة و أمل التصحيح..


« فتعطيل نظرية ''الانتخاب الطبيعي'' نتيجة ظروف معينة يحرم أصحاب الحق من أن يصلوا إلى المقاعد التي يستحقونها في ظل مجتمع لا يؤمن بالتعددية و لا يعطي فرصا متكافئة للأفراد في ظل ظروف واحدة، بينما يعطيها للقادر على التسلق قبل غيره »

                                                            (الرؤية الغائبةـ د. مصطفى الفقى)

                              

يشبه التفرغ الابداعي عملية حفر في نقطة محدّدة دون كلل أو ملل أو تشتيت. فانتظام هذه العملية و تتابعها من دون شك يُمكّن المنقب المجتهد من بلوغ فيض غامر نبت في قحف رأسه ذات لحظة غيضا لا يكاد يروي ظمأ عصفور. في المقابل يشق عليه الانطلاق في هذه الرحلة إذا أرخى قبضته أو وضع جانبا أدواته إلى حين انحسار المانع أو المُعطّل.

يختبر الكاتب الصراع في أقسى تجلياته و يصطلي بنيرانه أكثر من أي شخصية اعتبارية أخرى في المجتمع، فهو من ناحية يجاهد لاكتشاف طبيعة شخصيته و تأكيد هويته كمبدع، و إذ تتبدّى ملامحه الفنية الواعدة يشعر بثقل المسؤولية الملقاة على عاتقه في إنتاج مادة ثقافية و فكرية تحفظ له هذا الشعور بالأهمية كحاجة إنسانية لازمة لاستقراره النفسي. و من ناحية أخرى يصطدم بمشهد ثقافي ملتبس و مداخل دعائية تحتفي بكل شيء و تخصص مساحات كافية لعرض المنجز الابداعي في مجالات أخرى فيما يظل الكتاب و كاتبه خارج التغطية و بعيدا عن دائرة اهتمام الوزارة الوصية. في مواجهة هذه الوضعيةـ المشكلة يصبح الكاتب نفسه مؤسسة للإنتاج و النشر و التوزيع علّ نصوصه تقتنص بصيص نور بات سجين أقبية المركز بكهنوته و طقوسه السرّية. يعاني الكاتب محاولا تحقيق أهدافه المتعددة و المرغوب فيها فيسقط في غفلة منه في جبّ القلق المزمن فالاضطرابات السلوكية أو المشاكل الصحية كمتلازمة أمراض ممتطي جياد الثقافة و الابداع. إننا نتحدث هنا عن أحسن الحالات حيث في قدرة الكاتب تحقيق حلمه و طبع مؤلفه على نفقته الشخصية و خاصة في فترة البدايات و يقينا ليس يخفى على أحد من المهتمين بالشأن الثقافي في عالمنا العربي أن شهداء الكلمة الصادقة و الابداع الحقيقي كثيرون؛ بعضهم في الهامش و أغلبهم مجهولون..يموتون في صمت و عزلة كأبناء متخلى عنهم و يُحرمون من ممارسة شرطهم الانساني الذي يتحقق من خلال عملية تواصلية صحية يكون فيها الإرسال والاستقبال و أيضا الأخذ والعطاء بالتناوب و بانسجام فالإرسال بدون استقبال أو تجاوب يؤدي  إلى الاعتلال. إنها لمأساة في الواقع أن يصبح الكاتب و المثقف ''حالة'' تتطلب تدخلا سريعا و نقلا فوريا إلى غرفة العناية المركّزة و هو الابن الصالح الذي ما فتئ يعتز بوطنه و يحلم له بغد أفضل و مستقبل زاهر. و الأفظع من ذلك طعنهم بحربة الاهمال في حضورهم ثم حملهم على الأكتاف و تجميل قبورهم بورود العرفان بعد رحيلهم و كأن قدر المبدع و الأديب و الفنان أن يزرع لسنين مديدة دأبا و أدبا ثم لا يفرح بتعب يديه و لا يتذوّق نتاج حقله! فهل هو قضاء محتوم و لعنة لا مندوحة له عنها؟ ألا تحمل فكرة تمتيع الكتّاب و الأدباء بصفة ''التفرّغ'' في ثناياها عناصر التصحيح و التقويم لوضع ينزّ فوضى و أخطاء؟ متى يكون ''التفرغ الابداعي'' نعمة على الكاتب أو المثقف أو المبدع؟ و متى يرتدّ على صاحبه نقمة و كارثة ماحقة تُدمر ما بنته السواعد لسنين و معه ربما متانة البناء و شرف و كرامة البنائين؟

 نعود و نؤكّد كما في مقدمة هذه المحاولة المتواضعة أن ''التفرّغ الإبداعي'' شرط ضروري لجريان نهر الابداع الدائم كماّ و نوعاً و هذه السيرورة تعمل في الموهبة الأصيلة و التي تُعدّ في اعتقادي أساسا لهذا ''الإطارـ الحلم'' و رأسمالا أوّليا لكل من قرّر دخول غمار تجربة التأليف لتأكيد موهبته و قدرته على الاستثمار الرمزي في حقل من حقول الابداع و الجمال و لعلّ عامل الوقت و الزمن بالإضافة إلى المنجز الابداعي للكاتب و قوة حضوره و فاعليته في المشهد الثقافي ستكون لها الكلمة الفصل و الأخيرة في تقرير أهليته و جدارته بشرف الانتساب لهذا الإطار. و لاغرو أن تكتظ الساحة بكتاب مغمورين في غياب مصفاة رزينة عادلة و كاشفة للغث من السمين و حافظة للذوق السليم و موجّهة ذوي الموهبة القليلة في التأليف للقرار المكين الذي ترقد فيه فرادتهم و مواردهم الغنية لاستثمارها في الحقل المخصّص لهم بدل التشويش و التضييق على صاحب المساحة الحقيقية التي انتزعها عن استحقاق لأنه طول حقيقي و عرض حقيقي و هي النتيجة الطبيعية لجداء هذين الحدّين أو البعدين! لكن هب أن كاتبا أو مثقفا اعتُرِف له بموهبته و أصالة نتاجه و فاعليته في الميدان؛ ناهيك عن استيفائه لشروط توشيته بلقب ''كاتب متفرّغ'' تحدّدها الجهات المعنية بتنسيق مع مجالس أو مؤسسات ثقافية وطنية أمينة، و في نفس الوقت تُرسم له تخوم لا يتعداها و مناطق محظورة مُسيّجة لا يحق له اكتشافها و ربما تتقدّمه خارطة طريق بمفاتيح مقدّسة عليه فقط إدارتها في الاتجاه المُحدّد و التحرك وفق قنّها السحري المُثبت حتى يكمل مسيرته الحياتية و يؤدي دوره في المجتمع في انسجام مع باقي مقوّماته التاريخية و الحضارية و الفكرية. أليس هذا تحجيرا للمثقف و هدما لأساساته بل مسخا مقصودا لدوره المحوري في تنوير الجماهير و الذود عن مصالح الطبقة المقهورة في وطنه؟ أليس في ذلك انتهاكا صريحا لحريته في اكتشاف و إبداع بل خلق أساليب جديدة للفعل و الحياة؟ ألا تستطيع الدولة أو المؤسسة توفير مساحات كافية للمثقف للتفكير والبحث وفي ذات الوقت تجزل له الدعم و العطاء؟ أم يكون تمتيعا و تشريفا مشروطا على إيقاع المثل المأثور: ''أنا من يُعطي بسخاء ويجود، لي الحق كل الحق أن أقود و أسود''! هنا يتجرع المثقف مرارة الصراع المُركّز في محاولة منه لتقديم الولاء لأقانيم ثلاثة (الدولةـ الجماهيرـ الضمير) يستحيل توحيدهم في جوهر خالص بل كلما سعى جاهدا لإرضائها يسقط في لعنة ''الولاء المزدوج'' و ربما في شرك ''الحربائية''. ماذا يتبقى من المثقف عندما يفقد خصوصيته؟ من يفك شفرة جيناته المعدّلة إذا فقد لونه الأثيل؟ من يُعيره سمعه و اهتمامه و قد صار صوتا عاديا أفرغ من جرسه الأصيل؟

''التفرغ الإبداعي'' قاعدته الموهبة الثابتة المكينة، يرتفع صاحبها وينمو عندما نحترم خصوصيته و فرادته كمثقف مبدع و نُزوّد محرّكات مصنعه بالموارد و الطاقة اللازمة لاشتغاله مع ضمان العنصر الأساسي و الحاسم في هذه العملية: الحرية التي بدونها لن يرى الوطن مجد تصنيع رؤية ثاقبة صائبة تُطلقه من غصص الماضي و ضيقات الحاضر إلى رحابة الأفق و آمال المستقبل. فهل تقبل الدولة أو المؤسسة بهذا التحدي فتُصعد مثقفيها من جبّ تسديد احتياجاتهم الأساسية و بخاصة المتعلقة بأمانهم الاقتصادي و من ثمة يقبلون على مشاريعهم الابداعية في مختلف التخصصات و الحقول المعرفية لا يصرفهم عنها صارف مهما يكن؟ هل تتسع رؤيتها لتشمل الهامش و مصانعه المعطّلة؟ أم تبقى رهينة حسابات ضيقة واختيارات بسيطة سهلة حفاظا على أمنها الثقافي و حماية لنسقها الفكري و التراثي و الحضاري من رياح التنوير الطاردة لظلمات القارات؟

      حسن شوتام                                                 

    الجمعة 27 شتنبر2013  


الثلاثاء، 9 أبريل 2019

نص


أمي
خسرتُ كُللي مرة أخرى، لم ألق بالا لتنبيهات صديقي "محسن"، فهو أدرى مني بمهارة "ياسين" وقدرته على إصابة كُلَلِ الخصم مهما بعدت، تكلّفتُ المرح أمام أصدقائي، وقاومت دمعة كادت تخدش كبريائي حينما رأيته يعدّ كُلَلَهُ بفرح... فجأة، فضّت "بهيجة" الحلقة وهرول الجميع للتأكد من الخبر... وجدتُ الفرصة مواتية، تقدمتُ أقراني في سرعة البرق، تسللت من بين أرجل النسوة، وما كدت أرى أمي، حتى حرّرت غصتي وأسبلت دمعي... أبكي هذا الإغماء، وتلك الخسارة النكراء!      
مشهد متكرر... كلوح خشبي خمّرته المياه، مُدّد الجسد، بتفاصيله الذاوية وضموره البيّن. "رقية"؛ العجوز الشمطاء، سليطة اللسان، ناقصة الأسنان، تُحوقل، تُبسمل، وتلهج بالدعاء دفعا للغمّ والهمّ والحزن. أمقتها، بل ترعبني نظراتها البُعبعية إن شدت تكّة سروالي مزمجرة: تبقى لصيق أمك وتبكي لأنك في حاجة، متى اشتد عودك، تكفكف دمعك وتمضي لحال سبيلك بحثا عن امرأة! بئس صنفا الرجال!
حقيقة ما كنت ظل أمي أو لصيقها، بيد أني حضرت ظروفها الصعبة فامتلأت من الشجن قبل الأوان. أدركت رغم حداثة سني، أن امرأة أخرى في حياة والدي، سبب تصدعاتنا وانهياراتنا، قالوا زوجة والبعض عشيقة، لكن التذبذب لم يمنع الإغماءات وارتفاع الضغط، ووجع الرأس، وامتلائي من الشجن... أيضا ما زحزح إيماني بحبهما الكبير... رأيته يوما يقبّلها راجيا، يهرق العطر ويمسّد رجليها، علّها تسترد وعيها الغائب، كان يدمع في توسل حتى شككت في أمر تلك الميتة المؤقتة وظننتها نهائية. أفاقت أمي، تنشقتْ نسيم الحياة ومعه الكدح والعذاب المرتقب... الزمن دائما يدحرجنا بلا هوادة نحو كمائن الكبر فالنهاية... خشن صوتي وغطّى الشعر جسمي، واهتاج صدري ساعة كل كبوة... مات أبي فأمست قصة الزوجة الثانية ذكرى أو نكتة للتسلية...
أماه... هو ذا العمر يجري، يُنهي دورته الضرورية لبداية جديدة... مؤكد سيخلّف غضونا تخدش هالة عينيك...أقصد حفرتيك الداكنتين! ماذا جنيت من الإغماءات، وكمّ الفم، وكظم قروح القلب وأسراره؟! ماذا لو خرقت حاجزك الوهمي.. لو حطّمت حاجز الصمت والجبن؟ لست ضحية الزمن الغادر، لعمري هو الخوف أماه... إنه سرّ دونيتنا وانهزامنا في جل المعارك، حتى مع ذواتنا... الحق أقول لك... أحترم شجاعة أبي، كان يؤمن بإرادته فقط، حتى وهو يتوكأ بعصاه واقفا، يتقوّى باسم والديه...  متفرد في قراراته لدرجة التعصب... إنه بطل من نوع آخر!
§                  و لا مرة رأيتك تصلي أبتاه. ألست تخشى عقاب الله؟
§                  أنا لا أهاب أحدا.
§                  ولكن الله ليس أي أحد... فهو خالقنا... و... !
§                  وربنا وشافينا... أعرف هذه الأمور جميعها... غير أني أرفض صلاة أو أي فعل آخر
             تقوده الرهبة والخوف... وحدنا نملك اختيار سبلنا عن قناعة وليس عن خوف!
هكذا كان أبي بمزاجه الخاص ومراسه الحاد، ودأبه المتواصل في سبيل راحته... أما أنت فضائعة، ذائبة في أحلام الآخرين ... ربما ما كنتِ أبدا!! كان وكُنا وكنتِ الكلمة التي ما صارت جسدا! والظلام يخطف النور ويرهن ألقه... والنور لا يقوى عليه! أماه... مرفأ عينيك لفّه الضباب، واحتوته الحلكة، العتمة، الظلمة... كل السفن هجرته، أبحرت حيث الحياة، الأضواء، الأنوار والأبواب الواسعة، لكن سيظل قاربي الصغير وفيا، يمخر سواد حفرتيك، يشق أصعب الطرق، وأضيق الأبواب، يرسو في مرفأ عينيك، وينشِق حصاد انهياراتك وإغماءاتك المستأنفة: العمى!
  أماه... كدماتك ما فتئت تجدّد حقدي، كرهي للأشياء، بين حاجبيك غرس الفرن زواياه، وأصابع قدميك قُرِضَت وهي تتلمّس السبيل مُتعثرة بالأعتاب،  وهل أنسى المائدة ساعة أسقطتك؟ لا يا أمي... أي ندب، أي أثر خلّفه العمى، يذكي عطشي للسؤال!

أماه... عذرا إن أثار موكبي غبار أيامك الخالية الباقية، الماضية الحاضرة، أو رفعت اللثام عن بعض أسرارك... حسنا، لن أنكأ جراحك القديمة، قسرا أرفع قلمي، ثم أفجّر السؤال: إلى متى نظل سدنة الرمز، خُدّام الظلام وعبيد الأسطورة؟ أكان قدرنا العمى أم هو الخوف سر مأساتنا العظيمة؟
 *** *** ***
                                                       حسن شوتام

قص

القطار
جمعتُ أغراضي ذات صباح بهيٍّ، واتجهت صوب القطار. كان أملي وأنا أجوب شوارع المدينة الصامتة الوصول في الموعد المحدَّد هذه المرة! نعم،فكلّماحاولت تخطي زمننا المترنح على متن قطاري الغاضب السريع، يفاجئني هذا الأخير بغيابه ورحيله المبكر، مع أني لست بذلك المتراخي فأحيانًا أستيقظ قبل استيقاظ سائق حلمي: "القطار".
كان أملي إذن الوصول في الوقت المحدَّد، لكم تمنيت أن أحققه ولو لمرة واحدة في حياتي. كان أملي عاليًا، أسلمتُ قلبي وعقلي ونفسي له ولم ألبسه قط بباقيات آمالي الغالية! لكن ذاكرتي تنتصب أمامي حصنًا هلاميًا يحول دون دخولي أزمنة التحقق، تعالجني بضربة مفاجئة فتبقيني رهين أزمنة التهيئة وأخطائها.
أجل... وأنا في طريقي تتقدَّمني ذاكرتي النشيطة الجامحة في اندفاع وحشي مثيرة بقايا إخفاقاتي ومستمطرة سهام محاولاتي الفاشلة، فأسقط كعادتي في دوامة الاستصراخ.
من يُصعدني من جُبِّ الهلاك؟ من يحلّني من رباطات القلق وينتشلني من مياه التهديدات الهادرة؟ كنت أستصرخ وحيدًا وكان صدى وهني يتردد، كنت أقاوم وأقاوم ولكن وحيدًا وحيدًا!
جَنَّ عليَّ الليل وأنا أحثُّ الخطى في اتجاه المحطة. لم أكترث بالصمت الذي حاق بي من كل أَوْبٍ، ولا بالسواد الذي امتصَّ بريق عينيَّ، كنت أسرع وكان أملي يقترب، أسرع وهو يقترب وفجأة توقفت! لم أبلغ هدفي بعد، ولكن توقفت أو بالحريِّ تعثرت ولم أستطع تجنب ذلك، ولم تبذل هي أدنى مجهود لاستبقائي.
إنها قطتي الممشوقة "عادة"، وبنوع من التدقيق: الحلقة الأضعف في السلسلة، أقصد سلسلتي أنا أما سلسلتها هي فمحكمة حول عنقي، تدافع عن حقها الطبيعي في الظهور متى صرفتني عنها أهداف كبرى تقاوم التفاصيل باستماتة وتتمنَّع أكثر أمام أي استمالة رقيقة تبغي رقعة أو قطعة أو لقطة من ملء المشهد، فهي تدرك تمامًا أن عضة خفيفة من قطتي الصغيرة الناعمة تكفي لشقِّ جرح لذيذ أنزلق فيه وخلفي كل غاياتي وأهدافي وأسئلتي الكبرى.
هي العادة، الحلقة، اللسعة، الصفر الذي ندخله آمنين مُتحفّزين ثم نخرج منه بعد برهة وأحيانًا بعد هربة متعبين وبالخزي ورائحة الندم مضرَّجين! هي ذي الآن تراودني عن نفسي، تتمسَّح بأعتاب جسدي وكأنها تستعطي المفتاح، مفتاحي الذي تعرفه جيدًا لا يتحرَّج من فتح كل الأبواب، أمامية كانت أم خلفية. ولأن عادتي الجميلة تعشق الحرية فلا بأس أن نجرِّبه في كل الثقوب ونسوِّي به كل التضاريس ما علا منها وما انخفض، فمتى وقع المفتاح لا قدَّر الله بين مخالبها، تُسقِط كل السقوف والحواجز والجدران فلا تُبقي لي غير حُوَيط أهتدي به بعد أن أعمي إلى قبس مِنِّي!
كانت هي العثرة تلك الليلة فيما كنت أسرع لبلوغ المحطة وكنت أنا المفتاح الذي أدخلني لعبة الكرِّ والفرِّ لأنتهي للنطحة التي تنشدها قطتي "عادة". المضحك/المبكي يا أحبائي... (بعضكم ربما يشكُّ في نقاوة هذه المحبة لكن ثقوا؛ "عادة" واحدة تكفيني) أنها فور حصولها على الحصة الكافية من اهتمامي ينبت لها على حين غرَّة ذيل خرافي متين تُحكمه حول عنقي بلا هوادة وتبدأ في جلدي بذيلها الطبيعي الذي لا أخطئ أبدًا رسائله الأصيلة، على ظهري ووجهي ومؤخرتي، ومع كل جلدة ينفلق ضميري ويكبر هو الآخر في لمح البصر، الأشياء... الأصوات... الروائح... الخواطر... كلُّ شيء من حولي ينمو ويكبر ويرتقي، يُنتخب في طرفة عين، إلا أنا، وحدي فقط أنغرز في كبد الطريق حائرا خائرًا باحثًا عن ورقة مهملة أو رقعة بسيطة منسية على "كلاينكس" لأواري بها ردم النطحة.
شيئًا فشيئًا أصغر فأفزع من هول هذا الضمور إلى كدسة من "كراتين" متهالكة على رصيف العطفة الأولى بالشارع الرئيس، أدفن رأسي كلَّه في أول خوذة دونكيشوتية متاحة لأفصل وجودي عن كومة الأشياء والروائح والأصوات والخواطر والأمواج التي كانت تنمو وتكبر وتنتفخ في اطراد وتهيئ السبيل لمرور قطاري السريع الغاضب.
في زحمة الأشياء الرخيصة أضيع أكثر مشتهيًا تحلُّل عناصري الدقيقة وجزيئاتي الساكنة. أفتح صفحة الـ "كلاينكس" على بقايا نوعي وسلالتي الافتراضية، أبني من ردم النطحة الهلامي قبة كبيرة وأُسَيّجُها ملكية خاصة لتصير قِبلة وقضية، أستعجل التطبيل والتزمير لهذا الحدث الجديد، أنا الآن مندمج بالتمام في لعبة التحوّل، غارق في ردم النطحة، سعيد بهذا التأمل والتوحُّد، منفصل بالكمال عن كل الهواجس والأفكار والأحلام والقيم التي تسمو، عن صفير القطار الواثق الماكر الذي يعلو الآن ويعلو ويعلو.
صه! إني أختنق... نعم أختنق... ابعدي عني يا بروق، وارحل يا شبح الدماء الممقوت.
لا أريد جرعة ثانية من ذاكرة عليلة، لا أريد.. لا..لا..لا.. من يُصعدني من جبِّ الهلاك؟ من يحلُّني من رباطات القلق وينتشلني من مياه التهديدات الهادرة؟ من؟ من؟ من؟
تكاثفت أسئلتي على سطح المرآة فيما كنت أتحقق من هندامي قبل مغادرة الشقة. حاولت إنهاض نفسي ببعض الابتسام، بيد أن أسئلتي راكمت في بذخ سريالي سحابة جريئة طمست ملامح وجهي وكأنها تمارس الاعتراض. استفزتني ضبابيتها فلوَّحت بسبابتي محذرًا في البداية ثم رشمت علامة استفهام عريضة راقصة على أديمها الباكي لأنسلَّ من الحمام إلى غرفة النوم حيث مرآة الدولاب الصافية.
في وسعي الآن مصارحتك يا "أنا"، مصاحبتك ومصالحتك، أليس اثنان خير من واحد؟ تحالفنا إذن سيثمر نجاحات لافتة وسيعلم كثيرون أنك الوحيد الذي كنت في صفي أبدًا ولم تقاوم تحركاتي قط.
ماذا؟ ما زال أمامنا متسع من الوقت؟ حسنًا سأغير ربطة عنقي، القطار بني داكن ومحفظتي الجلدية سوداء لامعة، جيد... هذه إذن توافق البذلة ومتناغمة مع الأجواء على متن القطار، تعرف يا صديقي رمزية هذه التفاصيل وما تخلقه في نفوسنا من اعتداد وثقة، تسعدني مصادقتك على وجهات نظري الأثيلة، وأيضًا أظنك أسعد بطاعتي لكل التعديلات التي تشير لها مرآتك النقيَّة، أستطيع الآن تفهُّم غضب القادة ومن هم في منصب من أي مقاومة ذاتية تقف في وجه رسائلهم الجبرية، طيب... سأغادر الآن هذا المكان وأنت بدورك ستعانق في الخارج أديم الأرض وتضحي ظلي الأنيس والشاهد الأمين الوحيد على تفاصيل الرحلة. من ابتدع فكرة اليد الواحدة التي لا تصفق؟ حسنًا... أنا مصمم هذه المرة على بلوغ قطاري بل قيادته ولن تشغلني عنه أسئلة جانبية!
وقفت بباب الشقة ثم دفعت يدي برفق في جيب البنطلون الأيمن لألتقط المفتاح فلم أجده، تحسست الأيسر براحة يدي فقط ثم جميع جيوب البذلة فتبيَّنت عدم وجوده، حاولت تهدئة نفسي القلقة بكذا عبارات وأقوال مأثورة لعلَّ ذاكرتي تنجح في ترتيب الأحداث والخروج من متاهة حركاتي القصدية والعفوية بشيء يوصلني إلى مفتاحي المفقود، هيا... بالهدوء والطمأنينة تكون قوتك! ركِّز أكثر... ركِّز... يا إلهي من سدَّ الباب أصلاً؟ من أدار مفتاح القفل؟ هل دخلتُ الشقة وأغلقت الباب خلفي دونه؟ لكن من له مصلحة في حبسي بهذه الطريقة؟
§                  هل أضعت شيئًا يا عمي؟
جاءني الصوت من وراء الباب متبوعًا بضحكات مكتومة وأدركت عندئذ أن القصة محبوكة وبفعلة فاعل مستتر تقديره "هو"! ومن غيره، "ابن كريمة" السخية في إطلاق دفعات متتابعة من الأطفال، الحريصة على إرضاعهم لبن الرصيف وتدريبهم على قطع مسافات قصيرة وطويلة بالشارع الرئيس. لكن لم أتوقع هذه الطفرة المُجنَّحة. كيف تمكنوا من الصعود في غفلة من البوَّاب؟
§                  اسمع يا ابن... إن تفتح الباب أصفح عنك!
§                  وإن لم أفعل؟
§                  تعقَّل يا "ابن اللئيمة" وإلا خابرت قسم الشرطة!
تردَّدت كركراتهم المخنوقة مثل الشخير المتقطِّع في فسحة الدور الرابع من المبنى، ولولا قلقي الطبيعي الذي أبقاني داخل نظام أولوياتي ولائحة أعمالي الأساسية، لانبثقت من وسط نزقهم كائنًا فانطاستيكيًا يُدير في نشاط خالص أغصانهم المكشوطة فتفرخ في لحظة خلق عجيبة، نعم تُفرخ جميعها في غفلة من الإله ودون اصطفاء أو انتخاب كهنوتي، دمى وأحصنة وكرات ممجَّدة لا تتفكك أو تنحلُّ عناصرها بفعل الزمن... أجل تُثمر لهم الأغصان عناقيد لعب!
§                  اسمعوا يا أبنائي! سأكون كريمًا معكم وأشتري لكل واحد منكم لعبته المفضلة.  
            فقط افتحوا لي الباب. أمامي فسحة قصيرة من الوقت لبلوغ محطة القطار. افتحوا
         الباب الله يفتحها عليكم!
§                  لا نريد لعبًا يا عمي!
§                  أظنك "سلمى" الشطورة. أعرف أنك طويلة القامة (طويلة اللسان أيضًا) وفي إمكانك  
            إدارة المفتاح. أعدك بأنني سأشتري لك مع اللعبة فستانًا جميلاً.
§                  عندي الكثير منها. لعب وفساتين... فساتين ولعب... ومن كل محلات المدينة وطبعًا  
           شطارتي في خفَّتي!
§                  لكن السرقة حرام يا بنتي! وإدارة المفاتيح المنسية بالأقفال حرام. القطار سيرحل بعد
             دقائق. حرام عليكم يا صغاري! أنا رهن إشارتكم جميعًا اطلبوا ما تشاءون.
§                  نريد... نريد... نعمممممم... نريد أبًا وأمًا!
§                  الأغصان لا تثمر آباء وأمهات يا أولاد الـ.....! اسمع يا "ابن كريمة"، ربما نجحت في  
            استغفال بواب عمارتنا العجوز لكنك لن تفلت من قبضة بواب المبنى المجاور... لدي  
            رقم هاتفه المحمول وسأخبره الآن بما فعلته وعصابتك!
استعمر الصمت قلب الشلة لبرهة قصيرة وكأني استحضرت غولاً في وسطهم، تنحنح أحدهم بصعوبة فتخيَّلت وجوههم شاحبة مصفرة لكأن بواب المبنى المجاور رفع عليهم غضب طلعته فنضجوا قبل الأوان، وكطلقة مدفع متهالك اندفعت المجموعة بلهوجة في سباق مجنون عبر سلالم العمارة. كانوا يتدحرجون على الدرجات مثل حبات سبحة انسلَّت من خيطها وسمعتُ صوت ارتطامهم ببعضهم البعض وتكدّسهم في صدر فسحة الدور الثالث قبل أن يستأنفوا انحدارهم إلى الثاني.
بكَّتني ضميري على الورقة الحمراء البغيضة التي أشهرتها في وجوههم، إذ ليس من رجل عاقل يستنجد ببوَّاب مشكوك في ميولاته الجنسية، وفوَّحت قصص تحرشاته بالأطفال في أرجاء الحي، لكن حاجتي الملحَّة للخروج من شبكة شقاوتهم أوقعتني في المحظور دون تقدير للنتائج.
من ابتدع فكرة اليد الواحدة التي لا تصفق؟ انبثق هذا السؤال من جديد من رغوة أفكاري المتلاطمة وعلى سطح فقاعاتها الرقيقة تراءت لي عشرات الأيادي المرتعشة وهي تستنجد وتستعطي اليد الثانية التي بها وحدها ستصفق. أي هدير كان سيحدث لو استنجد غريق بغريق؟ وفي زحمة الأيادي واختلاطها عنَّت لي يدي الآثمة المتواطئة وهي تقبِّل باطن يد بواب المبنى المجاور مصفقة لسقوط "سلمى" وجرح "ابن كريمة" وانكسار القلوب البريئة، كم يتيمًا دُحرج من علٍ أيتها الأيادي المرتعشة المتواطئة؟
صدى انحدار الشلَّة ما زال يرتطم بحافة قحف رأسي وأنا خلف باب الشقة أقف مذهولاً من الأحداث التي انهالت عليَّ في لحظة. صفعتني حقيقة فشلي في بلوغ المحطة واستقلال القطار، أرخيت ربطة عنقي ووضعت محفظتي على منضدة قريبة. حاولت تجاهل المجموعة الهاربة لكن أنفاسهم اللاهثة كانت تطرق باب شقتي بقوة كمن يطلب اللجوء والحماية. ابتسمت في سخرية ثم دندنت في سرِّي: خذني معك خذني معك يا سائق القطار... خذني إلى سهولنا ومرَّ حول بيتنا... يا سائق القطار... يا سائق القطار...
صه! إني أختنق... نعم أختنق... ابعدي عني يا بروق وارحل يا شبح الدماء الممقوت.
لا أريد جرعة ثالثة من ذاكرة عليلة، لا أريد... لا... لا... لا... من يُصعدني من جُبِّ الهلاك؟ من يحلُّني من رباطات القلق وينتشلني من مياه التهديدات الهادرة؟ من؟ من؟ من؟
*** *** ***
                                   حسن شوتام