الثلاثاء، 9 أبريل 2019

نص


أمي
خسرتُ كُللي مرة أخرى، لم ألق بالا لتنبيهات صديقي "محسن"، فهو أدرى مني بمهارة "ياسين" وقدرته على إصابة كُلَلِ الخصم مهما بعدت، تكلّفتُ المرح أمام أصدقائي، وقاومت دمعة كادت تخدش كبريائي حينما رأيته يعدّ كُلَلَهُ بفرح... فجأة، فضّت "بهيجة" الحلقة وهرول الجميع للتأكد من الخبر... وجدتُ الفرصة مواتية، تقدمتُ أقراني في سرعة البرق، تسللت من بين أرجل النسوة، وما كدت أرى أمي، حتى حرّرت غصتي وأسبلت دمعي... أبكي هذا الإغماء، وتلك الخسارة النكراء!      
مشهد متكرر... كلوح خشبي خمّرته المياه، مُدّد الجسد، بتفاصيله الذاوية وضموره البيّن. "رقية"؛ العجوز الشمطاء، سليطة اللسان، ناقصة الأسنان، تُحوقل، تُبسمل، وتلهج بالدعاء دفعا للغمّ والهمّ والحزن. أمقتها، بل ترعبني نظراتها البُعبعية إن شدت تكّة سروالي مزمجرة: تبقى لصيق أمك وتبكي لأنك في حاجة، متى اشتد عودك، تكفكف دمعك وتمضي لحال سبيلك بحثا عن امرأة! بئس صنفا الرجال!
حقيقة ما كنت ظل أمي أو لصيقها، بيد أني حضرت ظروفها الصعبة فامتلأت من الشجن قبل الأوان. أدركت رغم حداثة سني، أن امرأة أخرى في حياة والدي، سبب تصدعاتنا وانهياراتنا، قالوا زوجة والبعض عشيقة، لكن التذبذب لم يمنع الإغماءات وارتفاع الضغط، ووجع الرأس، وامتلائي من الشجن... أيضا ما زحزح إيماني بحبهما الكبير... رأيته يوما يقبّلها راجيا، يهرق العطر ويمسّد رجليها، علّها تسترد وعيها الغائب، كان يدمع في توسل حتى شككت في أمر تلك الميتة المؤقتة وظننتها نهائية. أفاقت أمي، تنشقتْ نسيم الحياة ومعه الكدح والعذاب المرتقب... الزمن دائما يدحرجنا بلا هوادة نحو كمائن الكبر فالنهاية... خشن صوتي وغطّى الشعر جسمي، واهتاج صدري ساعة كل كبوة... مات أبي فأمست قصة الزوجة الثانية ذكرى أو نكتة للتسلية...
أماه... هو ذا العمر يجري، يُنهي دورته الضرورية لبداية جديدة... مؤكد سيخلّف غضونا تخدش هالة عينيك...أقصد حفرتيك الداكنتين! ماذا جنيت من الإغماءات، وكمّ الفم، وكظم قروح القلب وأسراره؟! ماذا لو خرقت حاجزك الوهمي.. لو حطّمت حاجز الصمت والجبن؟ لست ضحية الزمن الغادر، لعمري هو الخوف أماه... إنه سرّ دونيتنا وانهزامنا في جل المعارك، حتى مع ذواتنا... الحق أقول لك... أحترم شجاعة أبي، كان يؤمن بإرادته فقط، حتى وهو يتوكأ بعصاه واقفا، يتقوّى باسم والديه...  متفرد في قراراته لدرجة التعصب... إنه بطل من نوع آخر!
§                  و لا مرة رأيتك تصلي أبتاه. ألست تخشى عقاب الله؟
§                  أنا لا أهاب أحدا.
§                  ولكن الله ليس أي أحد... فهو خالقنا... و... !
§                  وربنا وشافينا... أعرف هذه الأمور جميعها... غير أني أرفض صلاة أو أي فعل آخر
             تقوده الرهبة والخوف... وحدنا نملك اختيار سبلنا عن قناعة وليس عن خوف!
هكذا كان أبي بمزاجه الخاص ومراسه الحاد، ودأبه المتواصل في سبيل راحته... أما أنت فضائعة، ذائبة في أحلام الآخرين ... ربما ما كنتِ أبدا!! كان وكُنا وكنتِ الكلمة التي ما صارت جسدا! والظلام يخطف النور ويرهن ألقه... والنور لا يقوى عليه! أماه... مرفأ عينيك لفّه الضباب، واحتوته الحلكة، العتمة، الظلمة... كل السفن هجرته، أبحرت حيث الحياة، الأضواء، الأنوار والأبواب الواسعة، لكن سيظل قاربي الصغير وفيا، يمخر سواد حفرتيك، يشق أصعب الطرق، وأضيق الأبواب، يرسو في مرفأ عينيك، وينشِق حصاد انهياراتك وإغماءاتك المستأنفة: العمى!
  أماه... كدماتك ما فتئت تجدّد حقدي، كرهي للأشياء، بين حاجبيك غرس الفرن زواياه، وأصابع قدميك قُرِضَت وهي تتلمّس السبيل مُتعثرة بالأعتاب،  وهل أنسى المائدة ساعة أسقطتك؟ لا يا أمي... أي ندب، أي أثر خلّفه العمى، يذكي عطشي للسؤال!

أماه... عذرا إن أثار موكبي غبار أيامك الخالية الباقية، الماضية الحاضرة، أو رفعت اللثام عن بعض أسرارك... حسنا، لن أنكأ جراحك القديمة، قسرا أرفع قلمي، ثم أفجّر السؤال: إلى متى نظل سدنة الرمز، خُدّام الظلام وعبيد الأسطورة؟ أكان قدرنا العمى أم هو الخوف سر مأساتنا العظيمة؟
 *** *** ***
                                                       حسن شوتام

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق