الأحد، 28 أكتوبر 2018


سِحر الكلمة!
لم يُلاحظن أو ربما لم يهتمِمْن بوجودي بينهنّ، فعيونهن كانت تنتظر بلهفة يُخالطها القلق استعلان المكتوم. كانت أختي الكبرى  سيّدة الحلقة، تستعين بقاموس ضخم مُجلّد و مقصّ نُحاسيّ حادّ صغير  لكشف الطّالِع بطريقة فريدة: تغرسُ نَصْلَيْ الآلة في قلب المُعجم، فلا يظهر منها سوى الحلقتين، تُجيزُ بينهما خيطا متينا و تلُفّه حول الكتاب بإحكام.. بعد ذلك تدفع سبّابتها بين حافة حلقة المقص و المُجلد، و تفعلُ إحدى صديقاتها المُستشيرة نفس الشيء فيرفعان بذلك القاموس و يُبقيانه في حالة توازن.. تُطبِق أختي عينيها و تشرع في طلب حضور "روح تائهة" بفرنسية سريعة و بإلحاح و تكرار يُضاعف حالة الترقّب و التوجّس.. يتململ القاموس ثم يدور فجأة.. "الروح التائهة" حاضرة جاهزة لكشف الأسرار..  يَمْتَقِعُ لون المُستشيرة فيما الأخريات يُجاهدن في السيطرة على الخوف بضحكات مكتومة.. تتجاهلهن أختي و تبدأ باستفسار "الروح"ـــــ بمقتضى حاجة المُستخبرِة الحائرة ـــــ و إصدار الأوامر لهذه "القوة" بالتحرك يمينا أو شمالا للتأكيد أو النفي..
كنتُ أتابع العرض باندهاش طفولي، و لم أجد وقتئذ معنى لأسئلتهن: هل يُحبّني سليم مثلما أحبّه؟ هل سيتقدّم كريم لخطبتي هذه السنة؟ هل يخونني أشرف مع مروة؟...
كنتُ في المرحلة الابتدائية و كان أكثر ما شغلني و شدّ انتباهي: العُدّة المُعتمدة لاستحضار تلك "القوة" أو "الروح" الكاشفة للأسرار.. في الحقيقة كنتُ أرغب في معرفة أسرار الطيران، أو بسذاجة طفل جامح الخيال، أردتُ أن أحلّق في السماء كما الطيور تماما؛ و قد رسخت في ذهني فكرة أن لا سبيل لتحقيق ذلك دون التوصّل إلى كلمة سحرية أردّدها قبل أن أقفز من علو يتناسب مع طولي. كان يجب أن أتردّد على الحلقة عدة مرّات و أحفظ العبارات الفرنسية، حتى إذا خلى البيت عَصْرَ أحد أيام شهر نونبرـــــ من سنة 1984ـــــ  سحبتُ دُرْجَ الصّوان حيث تحفظ أختي عُدّة قراءة الطّالع، و أخرجتُ منه القطع الثلاث: المعجم و المقص ثم الخيط. و في دقائق معدودة، كان الكتاب بين سبابتيّ يستجيب و يدور يمينا أو يسارا، و أنا أعرض عليه الحروف الأبجدية حرفا حرفا آملا إيجاد تركيبة لفظية ترفعني للسماء. خلاصة تجربتي الخرافية كانت "كلمة" بالحروف اللاتينية مُسِحت من ذاكرتي مع تقدم العمر.. لكن أذكر أنني عانقتُ فضاء خاليا رحبا يمكنه أن يسع جنوني بعيدا عن أنظار أصدقائي العقلاء، و طفقتُ أركض بأقصى سرعة و أقفز من أعلى مرتفع بسيط (حسِبته جبلا حينها) و أنا أردّدُ في حماس و ثقة "الكلمة" السحرية القادمة من غياهب المجهول.. أصِبتُ بخيبة كبيرة عندما اكتشفتُ أني أطير فقط لحظة إغماضي لعينيّ صارخا بالكلمة الأعجمية العجيبة و أن جسدي الصغير سرعان ما ينطرح أرضا. لكن لم أفقد الأمل و ظللت أمارس الطقس السحري و أجرّب كل الكلمات المُعلنة حتى تورّمت قدماي من القفز و الاصطدام بالأرض، عندها فقط توقّفت عن المحاولة.
و مضى الغد، و مضت في أثره أيام و شهور و تشتّتت حلقة قراءة الطّالع و انصرف الكلّ إلى الدّرس و التحصيل و الاستعداد لامتحانات آخر السنة.. و فرحت أمي باسترداد المقص النحاسي الحاد الذي يظهر لأيام ثم يختفي و يضيع لشهور.. و استردّ القاموس مقامه العالي فوق خزانة الأواني، و بات مرجع كل فرد من أفراد الأسرة لمّا تنغلق الكلمات الصعبة عن المعاني. و كانت أمي تُحيطه بهالة من التقديس و تصرخ في وجه من يرتكب حماقة إعارته إلى صديق و هي تُكرّر نصيحة الكتبيّ الذهبية: حافظي على هذا الكتاب سيّدتي فهو باهض الثمن و نافع للتحصيل الدراسي مدى الحياة!
صيف تلك السنة زارنا ابن خالي و كان شغوفا بالمطالعة، و كنت أراه يستغرق في القراءة لا يترك كتابه إلا لتناول وجبة أو قضاء حاجة. و في إحدى المرّات وجدتُ الرواية على منضدة غرفة المعيشة و بدأت أتهجّى عنوانها فإذا بصوته يندلق من فوق كشلال بارد:les ailes de courage  (أجنحة الشجاعة)! و ما لبث أن التقطها بلهفة و انزوى في مكانه المعتاد يقرأ؛ حتى إذا اطمئن و استرسل في هوايته تراه منطلق الأسارير  باسم الثغر حينا أو مقطّب الجبين واجما حينا آخر. و كان تقلّب حالته تلك يُذكّرني بالقاموس العجيب و دورانه ذات اليمين و ذات الشمال كلّما استثرناه عن قصد مُبَطّن بمُقتضى أهوائنا و أحلامنا و توقّعاتنا.. و تلك كانت في تقديري بداية شغفي بالكتب و إيماني بسحر و قوة الكلمة!
                                                                                                                                       حسن شوتام

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق